تقارير وتحقيقات

“فليذهب الملا عمر إلى الجحيم” .. السر الذي أخفاه بن لادن عن طالبان قبل غزوة 11 سبتمبر

كتب:هاني الكنيسي
مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر التي أودت بحياة 2,976 شخصاً في الولايات المتحدة، وأعقبها أكبر حملة عسكرية دموية في التاريخ الحديث (راح ضحيتها مئات الآلاف في أفغانستان وباكستان والشرق الأوسط، تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”)، صدر قرار قضائي بتحديد 5 يونيو 2028 موعداً لمحاكمة “العقل المدبر” خالد شيخ محمد، أمام المحكمة العسكرية في نيويورك.
لكن بعد يوم واحد فقط، تلقى الادعاء نكسة حين قضى القاضي العسكري المقدم ‘مايكل شراما’ بأن إفادات أدلى بها خالد شيخ محمد لمحققي الـFBI عام 2007 لا يمكن استخدامها في المحاكمة، لأنها “لم تكن طوعية وانتُزعت تحت التعذيب” من القيادي الذي ظلّ هاربا لعامين قبل اعتقاله في باكستان في مارس 2003، ونقله لاحقاً إلى شبكة السجون السرية التابعة للـCIA، حيث تعرض لأساليب استجواب قسرية، بينها الإيهام بالغرق، قبل نقله إلى غوانتانامو عام 2006.
وفي هذا الموعد من كل عام تقريباً، يكشف الإعلام الأمريكي فصولاً جديدة من دراما 11 سبتمبر التي ظل العديد من أسرارها لغزا إلى يومنا هذا وما زالت تسريبات تفاصيلها تثير من التساؤلات أكثر مما تقدم إجابات عما حدث فعلاً، وكيف تم التخطيط له.
هل كان زعيم طالبان ‘الملا محمد عمر’ يعرف أن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة -الذي آواه في كهوف قندهار لسنوات- يستعد لضرب الولايات المتحدة؟
هذا هو السؤال الذي سعت ‘نيوزويك’ Newsweek للإجابة عليه في تحقيق خاص ضمن سلسلة “الطريق إلى 11 سبتمبر ، مستعينةً بتفاصيل -استقتها من وثائق “لجنة 11 سبتمبر”- عن كواليس “مفصلية” في قصة الهجمات.
في أواخر أغسطس 2001، لم يكن حتى كثير من كبار قادة “القاعدة” يعرفون الموعد المحدد للهجوم. وعندما عرف بعضهم، لم يكن اعتراضهم متعلقاً بالخوف من رد أمريكي انتقامي فحسب، بل أيضاً بالتزام بن لادن السابق تجاه زعيم طالبان الذي وفر له ولتنظيمه الملاذ الآمن.
وفي 29 أغسطس 2001، أجرى محمد عطا اتصالاً هاتفياً مع رمزي بن الشيبة في ألمانيا وأبلغه بالموعد النهائي: 11 سبتمبر.
كان عطا ومروان الشحي قد اشتريا تذاكر الرحلات، وكانت الفرق الأربع التي ستختطف الطائرات تنهي ترتيباتها الأخيرة للتجمع قرب مطارات الانطلاق؛ في ‘بوسطن لوغان’ Boston Logan، و’واشنطن دالاس’ Washington Dulles، و’نيوارك’ Newark.
كان الاتصال، وفق رواية ‘نيوزويك’، أول إخطار حاسم خارج الدائرة التنفيذية المباشرة بموعد الهجوم. وحتى تلك اللحظة، كان يُعتقد أن ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط في قيادة القاعدة يعرفون التفاصيل الكاملة لما سمي داخل التنظيم آنذاك “عملية الطائرات”.
ومن ألمانيا، انتقل الخبر في سلسلة اتصالات شديدة السرية. أرسل بن الشيبة زكريا الصبار، وهو أحد رفاق عطا السابقين في “خلية هامبورغ” Hamburg Cell، إلى كراتشي حاملاً رسالة مختومة إلى خالد شيخ محمد تكشف الموعد. وبالفعل، غادر الصبار إلى وجهته المحددة في 30 أغسطس.
وبعد أسبوع تقريباً، في 6 سبتمبر ، غادر خالد شيخ محمد كراتشي متوجهاً إلى قندهار، ليلتقي أسامة بن لادن شخصياً.
كان بن لادن يعرف أن الهجوم بات وشيكاً، وعندما أبلغ “مجلس شورى” التنظيم بالقرار، اعترض بعض أعضاء المجلس لأن ‘الملا عمر’ (الحاكم الفعلي لأفغانستان) كان قد اشترط ألا تنفذ القاعدة هجمات جديدة من دون علمه، وقد تعهد له بن لادن باحترام ذلك الطلب.
لكن وفق شهادة خالد شيخ محمد في “تقرير لجنة 11 سبتمبر”، كان رد بن لادن بأن ‘الملا عمر’ لا يملك سلطة منع القاعدة من “الجهاد خارج أفغانستان”. وفي إعادة صياغة ‘نيوزويك’ للمشهد الدرامي، لخصّته في العبارة التي اختارتها عنواناً لتحقيقها: “فليذهب زعيم طالبان الملا عمر إلى الجحيم”.
ولا يعني ذلك بالطبع، أن بن لادن قال العبارة “حرفياً” كما وردت بترجمتها الإنجليزية، وإنما هي مجرد اعادة بناء للقصة بأسلوب درامي.
وهنا تبرز المفارقة في علاقة الحليفين: طالبان كانت توفر لأسامة بن لادن و”قاعدته” الملاذ، لكن بن لادن لم يعتبر نفسه تابعاً لزعيمها ‘الملا عمر’.
فعندما عاد بن لادن إلى أفغانستان عام 1996، كانت طالبان قد أحكمت قبضتها بعدما استولت على ‘جلال آباد’ ثم كابول. ويشير تقرير “لجنة 11 سبتمبر” إلى أن بن لادن وجد هناك “حرية حركة” لم تكن متاحة له في السودان، خاصة وأن أعضاء “القاعدة” كانوا يدخلون ويخرجون دون إجراءات تأشيرة عادية، ويستخدمون المركبات والأسلحة والمعسكرات كما يشاؤون.
الفارق، أن بن لادن جاء إلى أفغانستان وهو يحمل مشروعاً أيديولوجيا “عابراً للحدود”، بينما كان ‘الملا عمر’ منشغلاً أكثر بالسيطرة على أرجاء البلاد الوعرة وتثبيت حكم طالبان، وظهر الاختلاف بوضوح قبيل سبتمبر 2001.
فبحسب رواية “لجنة 11 سبتمبر”، خالف بن لادن تعهده بأن يكون أكثر تحفظاً، أولا عندما أدلى بتصريحات علنية معادية لأميركا. وفي عام 1997، دعاه ‘الملا عمر’ للانتقال إلى قندهار، “على الأرجح بهدف وضعه في مكان يسهل على طالبان فيه مراقبته والسيطرة عليه”، حسب تحقيق ‘نيوزويك’.
وبعد تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998، تفاقمت الأزمة بين الرجلين.
واجه الملا عمر ضغوطاً سعودية وأمريكية لتسليم بن لادن، بل تشير روايات لاحقة إلى أن “مفاوضات جرت بشأن إمكانية إبعاده من أفغانستان”.
لكن الضربات الأمريكية على أهداف في أفغانستان عقب تفجيرات السفارتين جعلت الأمر أكثر تعقيداً، ورسخت لدى ‘الملا عمر’ شعوراً بأن تسليم بن لادن سيكون بمثابة التخلي عن حليف لصالح خصمه الأميركي.
ومع ذلك، لم تكن علاقة طالبان ببن لادن مجرد حماية عاطفية أو دينية، بل تقاطعت مع حسابات سياسية وعسكرية.
إذ قدمت القاعدة دعماً مالياً وعسكرياً لطالبان، وساهم مقاتلوها في القتال ضد “تحالف الشمال” بقيادة ‘أحمد شاه مسعود’ المعروف بلقب “أسد بنجشير”.
وفي المقابل، وفرت طالبان للقاعدة الملاذ الذي يحتاجه التنظيم لمعسكرات التدريب وتجنيد المقاتلين الأجانب وإدارة شبكته الدولية. وخلصت “لجنة 11 سبتمبر” إلى أن العلاقة بين بن لادن وطالبان أصبحت بحلول نهاية التسعينيات “عميقة وشخصية”، إلى حد أن مجلس وزراء طالبان أكد في نهاية 1999 التزامه بحماية بن لادن، بل إن ‘الملا عمر’ أعدم أحد مرؤوسيه الذين عارضوا تأييده لبن لادن.
لكن حماية بن لادن لم تكن تعني أن زعيم طالبان وافق على كل ما يفعله، خصوصاً في الأيام الأخيرة التي سبقت 11 سبتمبر.
فتتحدث الوثائق عن “معارضة ظهرت داخل قيادة القاعدة عندما اقترب موعد العملية”. وتذهب إلى أن ‘الملا عمر’ كان “يعارض مهاجمة الولايات المتحدة، وقد أبدى بعض كبار مسؤولي القاعدة اعتراضهم على المضي قدماً احتراماً لموقفه”.
إلا أن بن لادن أصر على تنفيذ العملية، وكان خالد شيخ محمد نفسه جزءاً أساسياً من هذه القصة، وفق تقرير ‘نيوزويك’.
فبحسب ما تنقله عن “لجنة 11 سبتمبر”، تعود فكرة “عملية الطائرات” إلى اقتراح قدمه مهندس الميكانيكا الكويتي المولد لبن لادن في أواخر التسعينيات، يقوم على سيناريو هجمات متزامنة بطائرات على أهداف في الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة.
لكن بعد أن أدرك بن لادن مدي تعقيد الخطة، قرر تقليصها إلى العملية التي تم تنفيذها فعلياً يوم 11 سبتمبر.
وتؤكد الوثائق وشهادات المعتقلين أن بن لادن كان “صاحب القرار الفصل” في تحويل الفكرة إلى مشروع سياسي وعسكري للقاعدة، بينما تولى خالد شيخ محمد الجانب التشغيلي المعقد.
وقد وفّر بن لادن أربعة عناصر مبدئيا لتنفيذ خطف الطائرات، ثم بدأت عملية إعداد عناصر إضافية، من بينهم أعضاء “خلية هامبورغ”: عطا، بن الشيبة، الشحي، وزياد الجراح.
واللافت أن اختيار يوم 11 سبتمبر لم يكن اعتباطياً.
إذ تكشف وثيقة عُثر عليها لاحقاً في جهاز كمبيوتر صودر مع خالد شيخ محمد أن محمد عطا اختار تاريخاً بعد الأسبوع الأول من سبتمبر تحديداً “حتى يكون الكونغرس الأميركي منعقداً”. وكان الكونغرس، واحداً من الأهداف التي دُرست في مراحل مبكرة، إلى جانب البيت الأبيض والبنتاغون ومركز التجارة العالمي.
وما أن تلقي الموعد في رسالة بن لادن، حتى بدأ خالد شيخ محمد إبلاغ أعضاء القاعدة وعائلاتهم في أفغانستان بالاستعداد لاحتمال رد عسكري أمريكي عنيف. وصدرت تعليمات إلى “خلايا” في أوروبا ودول غربية أخرى بالاستعداد للإخلاء خلال أسبوعين، دون أن تحصل على تفاصيل كاملة.
ثم غادر رمزي بن الشيبة ألمانيا متوجهاً إلى باكستان قبل الهجمات، وتحرك خالد شيخ محمد ومصطفى الحوساوي وغيرهما عبر الحدود بين باكستان وأفغانستان، في الأيام السابقة واللاحقة للهجمات.
لكن ما كان يعرفه عدد محدود من رجال “القاعدة” في ذلك الوقت كان مختلفاً تماماً عما عرفه العالم بعد خمسة أيام، عندما أقلعت أربع طائرات مدنية صباح 11 سبتمبر، ونفذت “الغزوة” التي غيرت الكثير من ملامح التاريخ والجغرافيا منذ ذلك الحين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى