تقارير وتحقيقات

حروب البحر الأحمر من صعدة إلى الصومال: “نسخة” الحوثيين التي تزعج واشنطن

تتعامل واشنطن منذ سنوات مع الحرب في اليمن بوصفها صراعًا داخليًا معقّدًا بين جماعة الحوثيين “المدعومة من إيران” وبين حكومة عدن المدعومة سعوديًا وغربيا، مع طبقات إضافية من الفوضى تشمل القاعدة وتنظيمات محلية مسلحة.
لكن المقال المنشور اليوم (1 سبتمبر) في ‘وول ستريت جورنال’، بعنوان:
Washington’s Deadly New Headache: an al Qaeda-Houthi terrorist alliance أي: “الصداع الجديد القاتل لواشنطن: تحالف بين القاعدة والحوثيين”، بقلم الكاتب الأمريكي المخضرم ‘مايكل فيليبس’ Michael M. Phillips، يطرح أن هذا التصور لم يعد كافيًا؛ لأن الحرب اليمنية تتحول تدريجيًا إلى “منصة لإعادة توزيع القوة” بين اليمن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، محذرًا من أن واشنطن قد تكون أمام “نسخة جديدة” من الحوثيين، أكثر خطورة.
المقال ينطلق من نقطة “نشوء تعاون غير مسبوق بين جماعة الحوثيين في اليمن وتنظيم الشباب الصومالي المرتبط بالقاعدة”. وهو تحالف غير مألوف بين خصمين أيديولوجيين؛ يفصلهما الانقسام المذهبي والتاريخي.
هذا التعاون، كما تصفه الصحيفة الأمريكية، ليس مجرد تنسيق عابر، بل “صفقة استراتيجية” تقوم على تبادل المال والسلاح والخبرات العسكرية؛ تنظيم الشباب يقدّم التمويل، بينما يوفّر الحوثيون أسلحة متطورة وتدريبًا على تشغيل المسيّرات وإطلاق الصواريخ الباليستية.
وفي قلب هذه الصفقة، تبرز شخصية صومالية محورية: ‘جبريل يحيى علي’، المعروف بلقب “ذو الذراع الواحدة”، والذي لعب دور “الوسيط” في بناء العلاقة بين الطرفين، وساعد في ترتيب شراء الأسلحة من الحوثيين وتهريبها إلى الصومال. ووفق تقرير ‘وول ستريت جورنال’، تطور الأمر من تهريب السلاح إلي نقل عناصر من تنظيم الشباب إلى اليمن للتدريب، وانتقال مقاتلين حوثيين إلى الصومال للمشاركة في “عمليات ميدانية”، شملت ضرب أهداف بحرية وبرية بالمسيّرات!!
هذه التفاصيل، إذا وضعت في سياق أوسع، تكشف أن الحرب اليمنية لم تعد مجرد صراع على صنعاء والحديدة ومأرب، بل تحولت إلى منصة لتصدير الخبرة القتالية إلى القرن الأفريقي، وإلى إعادة رسم خرائط الحرب في البحر الأحمر.
ويتسق ذلك مع ما كشفه “فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن”، في تقرير رُفع إلى مجلس الأمن مطلع أكتوبر 2025، عن مستويات التعاون بين الحوثيين وكل من حركة الشباب الصومالية وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، زاعمًا أن اليمن الشمالي تحوّل إلى “مركز تدريب رئيسي” لمقاتلي الشباب في تصنيع العبوات الناسفة وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، ومؤكدًا أن “مهندسين حوثيين سافروا إلى مدينة ‘جِلب’ جنوب الصومال لتدريب مقاتلين محليين، بينما نُقل نحو 400 عنصر صومالي إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثي لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية”.
وفي 18 أغسطس الماضي، نشرت ‘وول ستريت جورنال’ تحقيقًا حصريًا بعنوان
Iran-Backed Houthis Threaten Coast Along Red Sea Chokepoint أي “الحوثيون المدعومون من إيران يهدّدون الساحل المحاذي لنقطة الاختناق في البحر الأحمر”، يتناول كيف أن الحوثيين باتوا قادرين على تهديد الساحل الممتد بطول البحر الأحمر؛ من المخا إلى الحديدة وصولًا إلى مناطق حساسة على باب المندب.
أما تقريرها الأخير عن “التعاون بين الحوثيين وتنظيم الشباب”، فيركز على أن باب المندب وخليج عدن سيواجهان في المستقبل القريب “تهديدًا مزدوجًا” من الشمال (الحوثي) والجنوب (الصومالي)، ليكرّس فرضية أن الحرب اليمنية “تعيد توزيع القوة في الإقليم”، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية في رقعة جغرافية تتجاوز اليمن و تشمل الصومال والسودان وإثيوبيا.
لكن اللافت أيضا في التقرير، إشارته إلى دخول “لاعبين جدد” إلى ساحة الصراع، وفي مقدمتهم “صوماليلاند”.
إذ تربط ‘وول ستريت جورنال’ هذا التحول الجيوسياسي بما يجري في الإقليم الانفصالي الذي اعترفت به إسرائيل رسميًا دولة مستقلة في ديسمبر 2025، واستقبلت رئيسه عبد الرحمن محمد عبد الله “إيروه” في القدس في يونيو الماضي، وبما يتردد عن مخططات لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية في ‘بربرة’. فضلًا عن مغازلة رئيس “أرض الصومال” للولايات المتحدة التي عرض عليها استضافة قواعدها العسكرية في القرن الأفريقي، وسيزور عاصمتها قريبًا بهدف “استثمار الزخم الذي أحدثه الاعتراف الإسرائيلي لإقناع واشنطن باتخاذ خطوة مماثلة والاعتراف باستقلال دولته”، وفق ما أفادت به هيئة البث الإسرائيلية ‘كان’ KAN
هذا التطور، يضيف عنصرًا جديدًا إلى حسابات الحوثيين، الذين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها خصمًا مباشرًا وإلى الولايات المتحدة باعتبارها العدو الاستراتيجي، ليجعل الساحل الصومالي جزءًا من امتداد جغرافي لصراع إقليمي أوسع.
فالتحالف الدولي بقيادة السعودية الذي يخوض حربا ضد الحوثيين منذ 2015، كان يسعى إلى منع الجماعة من تثبيت سيطرة دائمة على شمال اليمن، وتقليص نفوذ إيران في خاصرة الجزيرة العربية. لكن النتيجة العملية، كما تعكسها التقارير الأمريكية، هي أن الحوثيين خرجوا من الحرب “أقوى عسكريًا وأكثر خبرة ميدانية”، بل ونجحوا في تحويل تلك الخبرة إلى أوراق نفوذ إقليمية، وإلى أدوات تعاون مع تنظيمات مسلحة خارج حدود اليمن .
من الزاوية الأمريكية، هذا يعني أن قصف الحوثيين أو حتى ضرب إيران لن يوقف تصدير الخبرة العسكرية إلى القرن الأفريقي، ولن يمنع ظهور شبكات تعاون إقليمية بين جماعات مسلحة تستفيد من الفراغات الأمنية في دول مضطربة سياسيا؛ مثل الصومال والسودان وإثيوبيا، بما قد ينقل جغرافية الحرب من جبال صعدة في اليمن إلى سواحل القرن الأفريقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى