كتاب وشعراء

شجرة الجنية ….بقلم محمد الصباغ

كان الفاصل بين بلدتنا الصغيرة المُحاطة بحقول الزرع ؛ والتي يحتضنها النيل ، وبين المدينة المتلألئة في المساء بالآنوار ؛ فاصل ضئيل تعبره العين سريعاً فوق قامة الزروع المنخفضة ويعبره النظر عبر الأشجار التي على جانبي الطريق وعلى جوانب الحقول مهما ارتفعت قامة تلك الأشجار ؛ كانت عيوننا ترى الأضواء هناك رغم الظلام المحيط بنا في المساءات التي لا تنتهي ولا ينتهي ظلامها الأسود الحالك السواد أحياناً .
ظلت بلدتنا كما هى سنوات طفولتي القصيرة بها ؛ كما ظلت المدينة المتلألئة كما هى ؛ قبل أن ننتقل إلى المدينة المتلألئة بعد عام 1967 والحرب ومأساتها وقدوم بعض المهجرين للإقامة في قريتنا حيث يتجمعون في المدرسة التي خصصتها الحكومة لسكناهم وحياتهم الجديدة التي بدلتهم وأعادت خلقتهم ؛ حينها فضل أبي أن يكون بيتنا الأساسي ومدارسنا في المدينة وأن نترك البلدة الصغيرة وراءنا ؛ لا نزورها إلا عند الحاجة الضرورية ؛ كموت أحد من الأهل ؛ أو لحضور مولد من موالد الأولياء الذين كان بعضهم جدود عائلتنا حين أتت واستقرت في هذا المكان من مصر ؛ في سنوات القدوم إلى الكنانة (مصر) والإحتماء بها ؛ والعيش فيها في آمان ؛ وربما أيضاً فى يُسر وفي راحة .
كانت بلدتنا التي حَبْلُها السري النيل ، وكان ارتكازها الشرقي على ” الترعة الكبيرة ” التي كانت تفصل شطراً من الحقول التي تخص زمام البلدة ؛ كما كانت تحوي ” الجبانات (المدافن والقبور) المزروعة وسط الخضرة ” وتغلف عالم الأموات الأسود بغلالة الخضرة ، والذي كنا نظن أنه حيز الجن والعفاريت والشياطين وفيه يسكنون ويعيشون وفيه مستقرهم الأساسي الذي ينطلقون منه ويعودون إليه .
ظلت سنواتي الخمس الأولى من حياتي في بلدتنا الصغيرة التى كانت تكاد تموت في الليل وتموت بها الحياة ، حين تغرق في الظلام إلى حين بزوغ ضوء الفجر ، وكان يفصلها عن
” المدينة المتلألئة ” بالكهرباء مساءً ؛ فاصل الحقول السوداء بالظلام في الليل ، فلم تعرف بلدتنا الإنارة بالكهرباء ؛ إلا بعد أن جربت كافة أشكال الإنارة في المساءات الحالكة السواد ؛ بالظلام الذي كان يهيمن على أغلب أجزاء الليل .
كنت دون الخمس سنوات حين أتيح ليّ أن أعبر مساحة الظلام بين بلدتنا وبين المدينة المتلألئة ؛ حين حضرت بلدتنا كلها تقريباً فرح قريب لأبي ؛ كانوا يعيشون في المدينة المتلألئة ؛ وكان يربط بلدتنا اللصيقة بالمدينة “طريقان ” ؛ كان الطريق رقم واحد ؛ حيث شجرة الجميز العتيقة التي تجلس فوقها ” الجنية ” لتصفف شعرها بعد أن تستحم في ماء الترعة الصغيرة التي على حافتها مباشرة شجرة الجميز والتي يفصلها عن الترعة الكبيرة نهر الطريق الترابي المدكوك الذي نسير عليه وتسير عليه العربات ؛ ثم الترعة الكبيرة ؛ التي ورائها الحقول الخضراء الممتدة إلى مالانهاية الشوف .
كانت ” الجنية ” كما سمعنا وكما أخبرونا ؛ وكما روى الراوون ؛ حين يسود الظلام بعد العشاء ؛ تنزل لتستحم في الترعة الصغيرة ؛ حين يكون الظلام ستر كل شيء ولا يبدده أحيانا إلا ضوء القمر ؛ فكانت “الجنية” في الليالي المنيرة تجلس فوق الجميزة لتمشط شعرها تحت ضوء القمر .
كان هذا هو الطريق الأساسي لبلدتنا والذى يُستخدم فى النهار ؛ أما فى الليل فكان يستخدمه من يريد الرجوع إلى البلدة من حيث كان ولكن في حالة الضرورة القصوى ؛ وأما الطريق الثاني إلى البلدة ؛ فقد كان هو طريق ” البحر ” ؛ حيث كنا نطلق على “النيل” وصف البحر واسم ” البحر ” ؛ كان طريقاً مخيفاً ليلا وغير مأمون من عفاريت الجن ومن عفاريت البشر ؛ ولم يكن يجروء على المرور فيه إلا من كانوا صُحبة ويريدون الخروج من البلدة في حماية صُحبتهم ؛ حيث كانت “الجنيات” تطير من سطح الماء المنخفض إلى سطح الطريق ؛ المليء بشجر التوت ذو الثمر الأحمر والأسود ؛ حيث ترقص الجنيات وتلهو وتضاجع الجن في علانية ؛ وكان من يطلع عليها من البشر ؛ يُخطف إلى سطح الماء المنخفض بإنحدار شديد عن حافة الطريق المنحدرة إلى سطح الماء ؛ كانت “الجنيات” تخطف المتلصص إما ليغرق فيموت ويتحول إلى روح هائم ؛ وإما لتتزوجه ويعيش معهم في عالمهم المسحور ؛ الذى لا يستطيع أن يخرج منه بعد ذلك أبداً . ومن كان يُخطف ولا يستجب لهوى الجنيات وسحرهم ؛ كنا نجد جثته المخنوقة بأصابع الجنيات الطويلة المفرودة والتي تتركهها علامة على رقبة المخنوق ؛ لتدل على أنه من مخنوقات الجنيات ؛ وكان المحظوظ ؛ من بين من وقع في مصيدة “الجنيات” ؛ أو من بين المتلصصين المحظوظين ؛ هو من تصطفيه جنية ليتزوجها ويعيش ما بقى له من الزمن في حمايتها .
في ليلة ” فرح قريب أبي ” وبعد إنتهاء الفرح بعد منتصف الليل ، كان الطريق الذي اختارته عائلتي للعودة من الفرح في المدينة المتلألئة بالأنوار ؛ هو الطريق الذي به “الجميزة” التي يشاهد عليها الماروون ليلاً تلك “الجنية” التي تمشط شعرها ليلا وترمي من يرنون إليها ولا تعجبها نظراتهم بالحجارة التي تصيبهم بعاهات دائمة . فبعد أن أمضينا السهرة في منزل العروس والخيمة التي أعدت في الميدان الواسع بجوار منزلها ؛ والتي جُهزت بمنصة مرتفعة للفرقة الغنائية التى على رأسها المطرب الشعبي الشهير والذي إذا أتى من القاهرة لإحياء فرح ؛ فكان يتجمع لذلك محبوه من المدينة بصرف النظر ؛ أكانوا على صلة بأصحاب الفرح أم لا ! .
بعد أن أكلنا وجربنا كافة الأطعمة والأشربة والحلويات الملونة والمهلبية ومالا كنا نعرفه سابقاً من الأطعمة ولا نعرف أسمائها وقد جهزها الطباخون الذين أتى بهم أهل العروس ؛ الذين أرادوا أن يكونوا الأكثر إفتخاراً بإبنتهم وبعزوتهم وبثرائهم ؛ فأكثروا من كل شيء حتى أصبح فعلا ” فرحاً ” بالنسبة لمن حضره فرحاً لا ينسى ؛ وفي الأخير فقد أكلنا بأضعاف قدرة كل منا على الهضم ؛ حتى الأباء والكبار في السن ؛ وكأننا كنا في مباراة أو سباق للأكل .
بعد أن انتهى الفرح ؛ رأى الأقرباء الكبار أن نعود إلى بلدتنا سيراً على الأقدام ؛ فقد كانت أمسية صيف جميلة منيرة بالقمر وبالمحبة والبراءة ؛ وكان الجو والسير في ضوء القمر متعة محببة لأهل بلدتنا وكانت المناسبة السعيدة ؛ قد ملأت الأهل بسعادة ؛ اتحدت مع كل جميل فى الليلة الجميلة التي أمضيناها . كان عددنا كبيراً يتجاوز المائتين من كافة الأعمار في موكب مرح فارح ؛ وكان عمري وقتها لم يحقق تمام الخمس سنوات ، وإن كنت أظنني من الوعى والإدراك في الخمسين من عمري الذي سيأتى مستقبلا .
كان الأقرب من مكان بيت العروس إلى بلدتنا ؛ هو طريق
” الترعتين ” الذي تجلس فيه ” الجنية ” فوق الشجرة لتمشط شعرها وتقذف بالأحجار على من تريد أن تشاغله من المارة فى مساءات الظُلمة التامة والظُلمة المنارة بضوء القمر على السواء ؛ بحسب ما تحقق من حالة القمر ؛ فى دورة ميلاده وتعظمه وحالة إضمحلاله .
كان عمي الأصغر قد أخبرني أنه قد شاهد ” الجنية القمرية” بنفسه وهو مار بجوار الشجرة التي ترأس الطريق وكانت هى ذات “الجنية” التي يتحاكى عنها الناس ؛ هى هى ؛ كانت هى من رآها فى مجلسها على ذات الشجرة ؛ حين يعود من خدمته فى الجيش فى “الجبهة” البعيد ، فى الجزيرة الصحراء التي تسبقها قناة الماء ، وعندما كان يحصل على “إجازة ” من الجيش ويصل إلى المدينة التى لا تنام ويهبط إلى بلدتنا ؛ فى أى وقت من الليل لا مبالياً بظلام الطريق ولا بالجنية التي تجلس فوق شجرتها لتمشط شعرها ؛ ودون خوف كثير ، كان يمرق بجوار الشجرة المشهورة بجنيتها ؛ وفي المرة التي رآها بوضوح ؛ كانت هى التي قذفت بالطوبة برفق إلى جوار خطو أقدامه فرنا إليها متملياً ثم مضى وقد تأكد أنها حقيقة وليست فقط قصة تروى ؟! .
حين عودتنا في عزوة الأهل ؛ بعد إنتهاء الفرح ؛ وتجاوز الوقت منتصف الليل ؛ مازلت أذكر ؛ حاضراً كل شيء في ذاكرتي لم يمحى ؛ إلى الآن : ” كان القمر مكتملا ؛ وكانت الصحبة كبيرة جداً في العودة من الفرح ؛ وفى أول الطريق الواصل إلى بلدتنا في جزئه الأول الذي يسبق ” شجرة المنتصف التي تسكنها الجنية ” فقد أفلت يد أمي وذهبت إلى “عمي ” الذى كان فى إجازة معتادة من الجيش ؛ فلم تكن حرب الهزيمة قد حصلت بعد ؛ ذهبت إلى “عمي ” الذي كان هو أول من أخبرني بحكاية ” الجنية ” التى فوق الشجرة ؛ قبل أن أعتاد سماعها ؛ عندما يُذكر الطريق إلى المدينة الملاصقة لبلدتنا .
بعد أن أفلت يد أمي ؛ وذهبت إلى “عمي ” حيث كان مكانه في المسير ؛ وقلت له :
– “هنمشي في طريق الجنية ؛ وسنمر عليها وهى جالسة فوق الشجرة وستكون موجودة ؛ وسوف أرآها كما رأيتها أنت ؛ أنا الآن صغير ، ولكن بعد أن أرآها لن أخاف الجنيات ولا العفاريت بعد ذلك ؛ مش كدا يا عمي ؟! ” .
قال ليّ :
— ” سوف ترآها ؛ ولكن أنظر جيداً فوق الشجرة ولكن دون أن تخاف ؛ ولا تخاف إذا رأيتها ؛ ولكن الليلة قمرية جداً والنور ساطع ؛ وعددنا كبير ؛ ربما تخاف من عددنا الكبير وتختفي ” .
لم أر “الجنية ” في مرورنا في تلك الليلة ؛ ولم أرها بعد ذلك ؛ فقد قامت الحرب واستمرت لست سنوات وأكثر ؛ ولم يرجع عمي مرة أخرى ، فقد ظل ؛ كلما سألنا عنه قيل ؛ لمن يسأل أنه :” لم يستدل على مصيره بعد ؛ وقد رأى “أبي ” بعد الحرب أن نستقر في المدينة المتلألئة ، فنسيت أمر الشجرة وجنيتها موقتاُ ، حتى كبرت .
ولسنوات ؛ طوال عمري بعد أن كبرت ؛ لم أنس عمي ولم أنس الحرب ولم أنس “الجنية ” التي تجلس فوق الشجرة ؛ تمشط شعرها ولم أنس الجنيات على “البحر ” ؛ وصرت ومنذ طفولتي هذي المنسية والمذكورة ؛ وقد صارت المرأة الجميلة بالنسبة ليّ ” جنية ” لها رغائبها ولها قدرتها ؛ وعندها المقدرة على الحب ؛ كما لها المقدرة على الإيذاء ؛ حتى تحقيق الموت لمن ترغب في إحداث الموت به ؛ كما أنها قادرة على خطف من تهوى متى تهوى إلى حيث تهوى ؟! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى