غادرتُ مصر بعد أجازة ممتعه بين الأهل والأصدقاء وأنا أسأل نفسي: ماذا وجدت فيها واضحًا وجليًّا هذه المرة؟
– وجدتُ دولة مهووسة بالعقارات ونقاش العقارات، وإعلانات الشاليهات والفيلات بعشرات الملايين، في حين أن معظم الشعب يعاني في حياته اليومية. ولقد أصبحت الطبقية فجة في مصر، فطبقة صغيرة تملك كل شيء، وباقي الشعب يتطلع إليها، أو يخدمها، أو يحقد عليها.
– وجدتُ طرقًا رائعة ومتسعة، ولكن سلوكيات الناس عليها “عايزة الحرق”، فما زالت قيادة السيارات هي أكبر خطر يهدد حياة البشر في مصر، وكأنك في سيرك قومي. والدولة في حالة عجز شبه تام عن تنظيم المرور، وربما لا تعترف بضرورة سحب رخص السيارات المظلمة، والمتهالكة، والمتراقصة، والسائرة في عكس الاتجاه، أو لا تملك الوسيلة أو الإرادة لفعل ذلك!
– وجدتُ استمرارًا واضحًا لتدهور الأخلاقيات بسرعة ملحوظة تنذر بالخطر، فالكذب، والجشع، والاحتيال، والنفاق، وعدم احترام الكلمة أو الموعد أو الاتفاق، أصبحت من المسلمات اليومية، في غياب شبه تام لدور الأسرة، والمدرسة، والجامع، والكنيسة في تقويم أخلاقيات الشعب.
– وجدتُ التخلي شبه الكامل عن الهوية اللغوية؛ فمعظم المحال والمراكز التجارية والتجمعات السكنية أصبحت تحمل أسماء إنجليزية، وغالبية الشباب المتعلم يتكلم كلمتين باللغة العربية وكلمة باللغة الإنجليزية من باب الوجاهة الاجتماعية، وليته يتقنها، حتى صرت تسمع في لغتهم تنوينًا وجرًّا ورفعًا وجمعًا للكلمات الإنجليزية بقواعد النحو العربي.
– وجدتُ الجنون والهوس المتفاقم بوسائل التواصل الاجتماعي، و”الترند”، والهيافات، والشائعات، ونظريات المؤامرة، والخداع المقصود بالذكاء الاصطناعي والذكاء الطبيعي (المسمى الفهلوة)! مع انتشار ظاهرة نشر صورة وبجانبها كلام لم يقله الشخص ليتوالى السب واللعن فيه، دون تحقق، أو دراسة.
– وجدتُ انتشارًا واضحًا وصريحًا للخرافة والدجل والخزعبلات، والشطط الديني واللا ديني، والفتاوى والشجار والتعنت الفكري، مع تدخل فج في خصوصيات الناس، وفرض الوصاية الدينية عليهم، وعلى سلوكياتهم، مع تضخم النفاق الأخلاقي والاجتماعي، والتدين الظاهري.
غادرت حزينًا جدًا على ما وصلنا إليه، فما وجدتُه يؤكد أننا في منزلق اجتماعي وسلوكي خطير قد يضرب بقوة في جذور البنية الأساسية المصرية، في ظل غياب التوجيه الإعلامي، وانهيار دور الأسرة والمدرسة، والانحدار الثقافي والأخلاقي الناشئ عن الجهل، والجشع، أو السعى إلى سد الرمق بطرق ملتوية. أتمنى أن نتدارك كل ذلك قبل فوات الأوان، وألا ندفن رؤوسنا في الرمال، أو ننكر ما أصبحنا عليه الآن. هل توافقني؟