رؤي ومقالات

صلاح المختار يكتب :من تغير اسرائيل الشرقية ام صدام حسين؟

أثناء الحرب التي فرضها خميني على العراق بين عامي 1980 و1988، زار الشهيد صدام حسين إحدى المدارس الابتدائية في العراق، والتقى بالطلاب الصغار في العمر ، وأخذ يستمع إلى أسئلتهم ويجيب عليها، ويوجه إليهم الأسئلة، وفي سياق ذلك اللقاء سأل الرئيس الطلاب: من هو العدو الأخطر للعراق؟ فأجاب أحد الطلاب: إيران، أي «إسرائيل الشرقية»،لكن الرئيس صدام حسين صحح له الإجابة وقال له: كلا، العدو الأخطر هو إسرائيل، وليس إيران.
وبعد أندلاع الصراع المسلح بين اسرائيل الشرقية وامريكا ومعها اسرائيل الغربية، ونظرا لحاجة طهران للدعم استخدمت دعايتها مقولة الشهيد صدام لاقناع محبيه، وهم الاغلبية بدعم موقفها استنادا لتلك الحادثة ،وهو ما اثار بعض الارباك وفرض الحاجة لدحض المحاولة الايرانية استغلال اسم الشهيد صدام لخدمة المخطط الفارسي.
المحاججة الايرانية تقوم على منطق بسيط في ظاهره: إذا كان صدام حسين نفسه، وهو الذي خاض الحرب مع إسرائيل الشرقية ثماني سنوات، قد رفض اعتبارها العدو الأخطر وأكد أن إسرائيل الغربية هي العدو الأخطر، فكيف يأتي من ينتسب إلى نهجه ليقول اليوم عكس ذلك؟ وهذا التساؤل فرض تساؤلات مضادة وهي: هل هناك تناقض بين ما قاله الرئيس أثناء الحرب وبين اعتبار إسرائيل الشرقية اليوم الخطر الأعظم؟ وهل تغير موقفنا، أم أن الواقع نفسه هو الذي تغير؟ وهل يجوز أصلاً تحويل تقدير ستراتيجي صدر في ظرف تاريخي معين إلى حكم ثابت لا يتغير مهما تغيرت الظروف والوقائع وموازين القوى وطبيعة الأخطار؟
قبل كل شيء، يحب العودة إلى اللحظة التي قال فيها الرئيس ذلك والغاية الستراتيجية التي كان العراق يعمل من أجلها آنذاك، ثم مقارنة ذلك الواقع بما حدث بعد غزو العراق وما تكشف بعده عن طبيعة المشروع الإيراني وأدواته وأهدافه.عندما قال الرئيس،أثناء الحرب مع إسرائيل الشرقية أن العدو الاخطر هو إسرائيل الغربية وليس إسرائيل الشرقية، كانت الجهود تُبذل لإنهاء الحرب، والتذكير بهذه الحقيقة ضروري لفهم ذلك الموقف في ظرفه التاريخي والستراتيجي الصحيح، وكان العراق يسعى إلى إنهاء الحرب وقدم مشاريع ومبادرات لتحقيق ذلك، حتى أصبح معروفاً للعالم أن العراق يريد إيقاف الحرب، بينما كان خميني يرفض إنهاءها بإصرار.
أضافة لذلك فان إسرائيل الشرقية دولة قائمة في المنطقة منذ قرون، بعكس إسرائيل الغربية الطارئة التي أنشأت عام 1948،ومن بين متطلبات إنهاء أي حرب عدم اتخاذ مواقف تجعل إنهاءها مستحيلاً سياسياً، فإذا قال العراق في ذلك الوقت إن إسرائيل الشرقية هي العدو الأخطر، فسيظهر فوراً سؤال منطقي: إذا كانت هي العدو الاخطر فلماذا لا تستمر الحرب حتى القضاء عليه ؟ ولهذا كان توصيف إسرائيل الغربية بأنها العدو الأخطر منسجماً مع الستراتيجية العراقية الساعية إلى إنهاء الحرب.وهذه الحقيقة ضرورية لفهم ذلك الموقف في ظرفه التاريخي والستراتيجي الصحيح، بدلاً من انتزاعه من زمنه وتحويله إلى حكم أبدي لا يتغير مهما تغير الواقع.
المشكلة ليست أن صدام حسين قال ذلك، المشكلة فيمن يريد تحويل تقدير ستراتيجي صدر في ظروف تاريخية محددة إلى نص جامد، ثم يطلب من الواقع المتغير أن يخضع للنص، بدلاً من أن يخضع التقدير السياسي للواقع الذي تغير جذريا،والوفاء لمنهج الرئيس لا يكون بتجميد أقواله وإنما باستخدام المنهج نفسه الذي استخدمه: دراسة الواقع، وتشخيص الخطر في مرحلته ، ومراقبة تحولاته، ثم تحديد الموقف الذي يخدم العراق والأمة العربية في كل مرحلة.
ما الذي تغير بعد غزو العراق؟ هنا تبرز النقطة الأهم في القضية كلها،لقد حصل تحول نوعي وجذري في طبيعة الخطر الإيراني، ولم تعد إسرائيل الشرقية مجرد دولة دخلت في حرب مع العراق وانتهت الحرب معها، بل أصبحت تجاهر بسيطرتها على أربعة أقطار عربية هي العراق وسورية ولبنان واليمن، وأخذ قادتها يتحدثون علناً عن استعادة المجال الإمبراطوري الفارسي واتساع النفوذ الإيراني خارج الحدود،فنائب الرئيس الإيراني محمد علي أبطحي قال عام 2004، في مؤتمر عالمي في الإمارات العربية، إنه «لولا المساعدة الإيرانية لما تمكنت أمريكا من غزو أفغانستان والعراق». وكرر أحمدي نجاد المعنى نفسه، ثم جاء اعتراف آخر أخطر من محمد خاتمي الرئيس الإيراني، الذي أقر، بعد الاتفاق مع توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، بالموافقة على دخول القوات البريطانية إلى إيران للالتفاف على المقاومة العراقية في أم قصر، جنوب العراق، والتي أعاقت تقدم قوات الاحتلال عام 2003 مدة أسبوعين.
واعترف ترامب عام 2017 بأن أمريكا هي التي مولت الميليشيات والأحزاب التابعة لإيران في العراق منذ بداية الغزو وحتى عام 2017 ،ثم قام أوباما عام 2011 بتسليم العراق إلى إسرائيل الشرقية، في تأكيد حاسم على التلاقي الستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل الغربية ومكملتهما، في معاداة العرب، إسرائيل الشرقية.
وهكذا تغيرت طبيعة الخطر،ففي مرحلة الحرب العراقية – الإيرانية كان العراق يواجه دولة معادية وراء حدود معروفة، أما بعد غزو العراق فأصبح يواجه مشروعاً أستعماريا إيرانياً يمتلك أحزاباً وميليشيات وقوى سياسية وأدوات بشرية تعمل داخل الحدود العربية نفسها،وهذا هو التحول المميت والأخطر: الانتقال من عدو وراء الحدود إلى عدو يمتلك أدوات داخل الحدود.
فالجيش الإيراني الذي يعبر الحدود يمكن تحديده ومواجهته ودحره، وهو ما فعله العراق اثناء حرب خميني عليه، بأعتباره جيشاً أجنبياً، أما عندما يمتلك المشروع الإيراني ميليشيات وأحزاباً وقوى محلية ترتبط به عقائدياً وسياسياً وعسكرياً، فإن الخطر يصبح أكثر تعقيداً، لأنه ينتقل من المواجهة بين دولتين إلى الاختراق من داخل الدولة والمجتمع،وهذا التحول وحده يكفي لإعادة النظر في ترتيب الأخطار.
ولئن احتلت إسرائيل الغربية فلسطين وأقامت مشروعها الاستيطاني الاستبدالي فيها، فإن المشروع الخميني أكبر واوسع واخطر من المشروع الصهيوني،أذ منذ البداية تبنت طهران ستراتيجية تتجاوز حدود إيران وتشمل العالم كله،تحت عنوان تصدير الثورة الإسلامية وإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات العربية وأخضاعها للنموذج الايراني.
وهنا يظهر التحول الجذري في صورة إسرائيل الشرقية مقارنة بما كانت عليه أثناء الحرب التي فرضها خميني على العراق، فلم تعد المسألة مجرد نزاع أو حرب بين دولتين، وإنما تكشف، مع مرور الزمن، مشروع يتجاوز الحدود الإيرانية ولديه أدوات لتنفيذه خارجها.التصريحات التوسعية تكشف النية، لكن الوقائع تكشف القدرة على تحويل النية إلى فعل،وإسرائيل الشرقية، منذ غزو العراق قتلت هي وميليشياتها ما لا يقل عن خمسة ملايين عراقي،وطهران دمرت التعليم في العراق ووضعت مناهج ذات رؤية فارسية، وفتحت 62 جامعة في العراق تدرّس التاريخ من وجهة نظر فارسية، وأسهمت في نشر مختلف أنواع الانحلال الأخلاقي،وأسست مع امريكا الفساد بمختلف أشكاله، وأسهمت في فرض حكام على العراق أنصاف أميين، فاسدين، ساقطين أخلاقياً، ولا يتمتعون بالحد الأدنى من الثقافة.
وقد أدت هذه السياسات إلى تحويل العراق إلى بؤرة للتخلف، فعادت الأمية والفقر بصورة أشد وأبشع، وانتشر الفساد الأخلاقي والمخدرات عمداً وتخطيطاً، حتى وصلت إلى المدارس الابتدائية ! وقبل أيام قرأت لأحد سفراء إيران قولاً مفاده إن العراق فارسي وإنهم عادوا إليه الآن.فهل يمكن، بعد كل هذه التحولات، أن نعود إلى عبارة قيلت قبل غزو العراق ونستخدمها لإلغاء كل ما حدث بعد ذلك من تحولات جذرية خطيرة وغير مسبوقة ؟ إن منطقاً كهذا يلغي التاريخ، لأنه يتعامل مع عشرات السنين من الوقائع والتحولات وكأنها لم تقع.
ولكي تتضح الصورة بصورة حاسمة يمكن الاستناد الى معيار موضوعي لأي قوة مسلحة تعمل داخل قطر عربي، يقوم على أربعة أسئلة:من يمولها؟ من يسلحها؟ لمن تعلن ولاءها؟ ومن يملك القرار النهائي في استخدامها؟ إذا كانت الإجابات تشير إلى دولة أجنبية، فإن المسألة لم تعد خلافاً فكرياً أو مذهبياً، بل أصبحت قضية سيادة وطنية.وهنا نسأل: لمن اعلن ولاء حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعوبي في العراق وغيره: لإسرائيل الشرقية أم للوطن؟ والجواب جاء على ألسنة قادتهم أنفسهم.
فمثلا قال حسن نصر الله: «أنا جندي في جيش حسين العصر، الإمام علي خامنئي»، وله تصريح معروف آخر يقول فيه إن «أكلنا وسلاحنا ورواتبنا وعتادنا من جمهورية إيران الإسلامية»، وله تصريح ثالث يفيد بأن الطموح ليس جعل لبنان جمهورية إسلامية منفردة، وإنما جزءاً من جمهورية إسلامية أوسع عاصمتها طهران.
وهنا لا يعود السؤال هو : هل القرار وطني أم مرتبط بدولة أجنبية؟ فمن يعلن ولاءه لدولة أجنبية، ويتلقى منها المال والسلاح، ويجعل وطنه جزءاً من مشروعها السياسي، يضع نفسه موضوعياً في موقع الطابور الخامس، مهما تكن الشعارات التي يرفعها.ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً:ما قيمة مقاومة إسرائيل الغربية، حتى لو كانت صادقة في مقاومتها لها، إذا كانت النتيجة النهائية هي خدمة المشروع الامبراطوري لإسرائيل الشرقية وإخضاع الوطن له ؟ فالوطن لا يتحرر باستبدال تبعية بتبعية، والسيادة لا تتحقق بإخراج نفوذ أجنبي وإدخال نفوذ أجنبي آخر.
وهناك قاسم مشترك آخر بين المشروعين الفارسي والصهيوني، لا يقتصر على معاداة العرب والثأر من بابل فقط ، وإنما يتعلق أيضا بطريقة استخدام التاريخ لتبرير التوسع في الحاضر،ففي الفكر الفارسي تظهر فكرة أن المناطق التي وصل إليها الفرس أو حكمها أجدادهم في التاريخ هي ارضهم، وهذه نظرية مطابقة للنظرية الصهيونية التي تقول اينما وجد أثر أو مقام يهودي فان المكان لليهود.وكلا المنطقين يحاول تحويل التاريخ القديم إلى سند لمطالب سياسية معاصرة، متجاهلاً الشعوب التي تعيش على الأرض منذ الاف السنين وحقها في السيادة عليها.
من هنا فإن أوجه التشابه بين إسرائيل الغربية وإسرائيل الشرقية لا تتوقف عند المطامع في العراق والوطن العربي، وإنما تمتد إلى المنهج المستخدم في تسويغ التوسع نفسه.
بعد هذه الملاحظات الجوهرية نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: هل يجب أن نبقى أسرى لعبارة قالها الشهيد صدام حسين قبل غزو العراق، وقبل كل ما حدث في العراق وسورية ولبنان واليمن، وقبل أن تتكشف ميدانيا بهذا الحجم أدوات المشروع الإيراني ومجالات سيطرته؟ الغبي وحده هو الذي يتوقف ويتجمد عند نقطة معينة في التاريخ، بينما تتغير أمامه الوقائع والقوى والأخطار، ثم يصر على أن حكم الأمس مازال صالحا !
ومما له دلالات استثنائية ما قاله رئيس البرلمان الإيراني، قبل أيام، مخاطباً الإيرانيين ومعاتباً إياهم،إن لبنان قدم أكثر من ألفي شهيد دفاعاً عن إيران، بينما لم يقدم الإيرانيون أنفسهم إلا بضع مئات من الشهداء من أجل إيران، وتساءل: هل اللبنانيون أحرص منكم وأخلص لإيران؟ وإذا كان المسؤول الإيراني نفسه يصف الدم اللبناني بأنه قُدم دفاعاً عن إيران، فما الذي يبقى غامضا حول هوية الجهة المستفيدة؟ واذا كان قادة الميليشيات الايرانية في العراق يقولون بلا تردد نحن سنقف مع ايران اذا وقعت حرب بينها وبين العراق، فكيف يمكن قبول بقاء اي تردد في تشخيص هؤلاء على انهم جواسيس وطابور خامس ايراني يتموضع بين اضلعنا؟
إذا جمعنا هذه الحجج السياسية والستراتيجية والتاريخية والقانونية والأخلاقية، يصبح الاحتجاج بعبارة «قال صدام حسين» عاجزاً عن مواجهة الوقائع التي استجدت بعد قوله،فالرد ليس بإنكار ما قاله صدام حسين، ولا محاولة تأويله بعيداً عن زمنه، على العكس تماماً: نحن نضع قوله في ظرفه التاريخي الصحيح، ونفهم لماذا قاله، وما الستراتيجية التي كان العراق يتبعها آنذاك، ثم نسأل ماذا كان سيقتضي المنهج نفسه بعد أن تغير الواقع جذرياً ؟
قبل غزو العراق كان الخطر الإيراني خطراً تمثله دولة معادية تقع وراء الحدود،أما بعد الغزو، فقد أصبح مشروعاً ستراتيجيا نفذ ميدانيا وتسبب في كوارث هي الابشع في التاريخ للشعب العربي في العراق وسورية واليمن ولبنان وغيره، مشروع تنبع خطورته المميتة من أدوات سياسية وعسكرية وبشرية داخل عدة أقطار عربية، ويستند إلى عقيدة «تصدير الثورة الإسلامية» التي لم يحصرها خميني في الوطن العربي، بل طرحها للعالم، وهذه الميزات الخطيرة عجزت عن امتلاكها اسرائيل الغربية وامريكا.
وبقياس الكوارث التي صنعتها اسرائيل الشرقية في الوطن العربي بالكوارث التي صنعتها اسرائيل الغربية يبدو واضحا ان الخطر الصهيوني ومهما كان عظيما فانه خطر خارجي نملك الحصانة ضده، بينما الخطر الفارسي مندس بين اضلعنا ومتغلغل في ايات ديننا ومحشور ضمن روابط الكثير من مواطنينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى