كتاب وشعراء

العُصفورُ والشّجرة.. قصّة قصيرة بقلم الكاتب: عمار العمشان

في غياهبِ السَّجنِ السَّحيقةِ، حيثُ الجُّدرانُ تتقاطرُ رطوبةً وتصمتُ كالمقابرِ المُغلقةِ، وُلِدَ نورٌ لا مهدَ لهُ سوى حضنِ أُمِّهِ سَلمى، ولا ضياءَ لهُ سوى جذوةِ حنانٍ لا تخبو. كانت سلمى قد حملتهُ في ظلماتٍ ثلاثٍ لا تبلغُها الشَّمسُ ولا تَطالها، فلما وُلِدَ، لم يُبصر غير جدرانٍ صقيعيةٍ قاسيةٍ، ولم يَشُمَّ غير رائحةِ العُتمةِ والحديد. كَبُرَ قليلاً، فكان يسألُ أُمَّهُ بعينينِ طاهرتين لم تريا نوراً قط. يا أُمِّي.. ما الشَّجرةُ ؟ وما العصفورُ؟ فتبسمت سلمى والدَّمعُ يلذعُ مآقيها، وتقولُ بصوتٍ يختنقُ بالحزن والأمل. الشَّجرةُ.. يا بُنَيَّ.. كائنٌ شامخٌ يمنحُ الظِّلَّ والثِّمارَ لكلِّ من لجأ إليهِ، والعُصفُورُ حريةٌ تجسدت في جناحين يخترقانِ المسافاتِ البعيدةَ، لا يحبسُهما جدارٌ ولا قضبان. فيصمتُ نورٌ وينحتُ لهما صورةً في خيالهِ الذي لم يرَ أرضاً ولا سماءً. ثمَّ يقول ببراءةٍ تقطعُ القلب. سأكونُ عصفوراً يا أُمِّي.. سأحملُكِ على جناحيَّ إلى تلكَ الشَّجرة. فتحتضنُهُ سلمى كمن يخشى أن يختطفهُ الظَّلامُ وتهمس بصوتٍ يتفجرُ بالإيمان. ستكونُ.. ستكونُ يا ضياءَ عمري. فالحريةُ تُغرسُ في قلوبِنا حتَّى لو دُفِنَّا في أعماقِ الأرض. وذاتَ يومٍ، انشقتِ المصاريعُ عن مفاصلها وانفتحَ باب السِّجن. كان انبجاساً كاملاً للعالمِ الذي لم يُدركهُ قط.
خرجا.. ونورٌ مُتشبثٌ بثوبِ أُمِّهِ ويخشى أن تُسلبَ الأشياءُ قبل أن يعرفها. ولما رأى الشَّجرةَ لأولِ مرةٍ، تجمدَ في مكانه، ثمَّ انطلقَ إليها، وعانقَ جذعها كمن عادَ إلى أصلهِ الأول! ولمَّا سمعَ تغريدَ العصافيرِ في أغصانها، رفعَ وجههُ نحوَ أُمِّهِ وقال بفرحةٍ تفور! يا أُمِّي.. إنَّهما حقيقةٌ! ليستا حكايةً! إنَّهما هنا! حيَّتانِ! كالحريَّةِ التي حدثتني عنها! فبكت سلمى انبلاجاً فاضَ من عينيها. فقد كان نور لا يعرفُ العصفورَ ولا الشَّجرةَ.. لكنَّهُ عرفَ ما هو أجلُّ منهما. أنَّ الحياةَ أوسعُ من كلِّ القُضبان، وأنَّ الأملَ لا يحتاجُ إلى بصرٍ ليكونَ يقيناً، وأنَّ الحريَّةَ تسبقُّ الرُّؤيا، وتُولدُ في القلبِ قبل أن تراها العين.

عمار العمشان
سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى