فضيحة “الاستطلاعات السرية”: كيف تلاعب المال السياسي لـ “حزب الإصلاح” بالرأي العام والإعلام البريطاني؟

فضيحة سياسية تهز “حزب الإصلاح” في بريطانيا، لا تتعلق فقط باحتمال تمرير تبرعات من مصدر أجنبي، وإنما تفتح ملفاً أوسع حول شفافية المال السياسي، وتمويل استطلاعات الرأي، وإخفاء الجهة التي تقف وراءها، ثم استخدام نتائج تلك الاستطلاعات للوصول إلى الصفحات الأولى لكبرى الصحف البريطانية والتأثير في النقاش السياسي العام. تحقيق استقصائي مصور بالكاميرات الخفية نفذته مؤسسة “تحقيقات فيرباتيم” وبثته “أخبار القناة الرابعة”، وثق مسؤولين كباراً في الحزب وهم يناقشون ترتيبات لتمويل استطلاعات للرأي بأموال مصدرها أمريكي، ثم ناقشوا تبرعاً محتملاً بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني يمكن أن يأتي من أب أمريكي إلى ابنه المقيم في بريطانيا، بحيث يظهر الابن أمام الحزب باعتباره المتبرع. وفي الوقت نفسه، أظهرت القضية أن ثلاثة استطلاعات كلفت 32,500 جنيه إسترليني وصلت نتائجها إلى وسائل إعلام بريطانية كبرى، من بينها صحيفتا “ديلي تلغراف” و”التايمز”، من دون الكشف عن أن “حزب الإصلاح” كان وراء تكليفها.
يقود نايجل فاراج “حزب الإصلاح”، الذي يملك حالياً ثمانية مقاعد في مجلس العموم، وهو نفسه عضو منتخب في البرلمان عن دائرة كلاكطون، بعدما أعيد انتخابه في انتخابات فرعية جرت في 13 أغسطس 2026 وحصل فيها على 22,239 صوتاً بنسبة 63.3% من الأصوات. ويُصنف الحزب في بعض الدراسات والتغطيات السياسية ضمن اليمين الراديكالي أو اليمين المتطرف، فيما يُعد فاراج أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي البريطاني، وكان من أبرز قادة حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
الجهة التي نفذت التحقيق هي مؤسسة “فيرباتيم”، وهي مؤسسة استقصائية غير ربحية ظهرت في عام 2026، أسسها الصحفيان لورنس كارتر ولويس ويلسون، بعد عملهما في “مركز التقارير المناخية”. ودخل لويس ويلسون التحقيق بهوية مستعارة هي ويليام لوكوود، وقدم نفسه باعتباره بريطانياً له أب أمريكي ثري يريد دعم “حزب الإصلاح”، فيما أدى ممثل دور الأب. ولم يكن عدد العاملين في “فيرباتيم” معلناً بصورة موثوقة، لكن المؤكد أن المشروع حديث النشأة وأن مؤسسيه هما كارتر وويلسون. وتقول “القناة الرابعة” إن “فيرباتيم” مستقلة عنها، وإن القناة قامت بنفسها بفحص التسجيلات والمواد والتحقق منها قبل البث، ولم تدفع تكاليف الاستطلاعات أو أموالاً إلى “فيرباتيم” أو إلى شركة مرتبطة بها.
ويكتسب اختيار “حزب الإصلاح” تحديداً أهمية عند النظر إلى الخلفية المهنية للجهة التي نفذت التحقيق؛ فمركز التقارير المناخية الذي عمل فيه مؤسسا “فيرباتيم” سابقاً يعرّف نفسه كمؤسسة صحافة استقصائية غير ربحية، ويقول إن عمله ممول بالكامل من المنح والتبرعات. وتظهر في بياناته العامة أسماء جهات مانحة، بينها “مؤسسة المناخ الأوروبية”، و”مؤسسة كي آر”، و”مؤسسة ميليور”، و”المؤسسة السويسرية للأعمال الخيرية”، إضافة إلى صندوق تديره مؤسسة “مستشارو روكفلر للأعمال الخيرية”. كما تشير بيانات منشورة عن “مؤسسة كي آر” إلى منحة بقيمة 3 ملايين كرونة دنماركية، أي نحو 340 ألف جنيه إسترليني، لمشروع بعنوان “التحقيق في جهات التمكين” يمتد حتى عام 2026. ولا توجد أدلة منشورة تثبت أن جهة مانحة بعينها مولت تحقيق “حزب الإصلاح” تحديداً.
ومن ثم يمكن فهم سبب استهداف “حزب الإصلاح”، من دون تحويل ذلك إلى اتهام بدافع سياسي، في ضوء ثلاثة عوامل ظاهرة في سجل الجهة المنفذة: الحزب أصبح قوة انتخابية صاعدة بقيادة شخصية شديدة الحضور مثل فاراج، ومواقفه تتقاطع مباشرة مع ملفات اليمين الشعبوي التي سبق للمحققين تناولها، كما أن المال السياسي وعلاقته بالحركات الشعبوية بات جزءاً من أجندة هؤلاء الصحفيين. لكن ذلك يظل تفسيراً لسياق الاختيار، وليس دليلاً على أن التحقيق كان موجهاً ضد الحزب لسبب سياسي بعينه.
القضية المالية الفعلية بدأت بثلاثة استطلاعات للرأي أجرتها شركة “جي إل بارتنرز” لصالح “حزب الإصلاح”، بلغت قيمتها الإجمالية 32,500 جنيه إسترليني. الاستطلاع الأول كان الأغلى بتكلفة 18 ألف جنيه، واستهدف قضية حساسة تتمثل في احتمالية تأجيل أو إلغاء الانتخابات المحلية، بهدف ممارسة ضغط استباقي لمنع هذا التأجيل عبر إثبات أن حزب العمال الحاكم سيمنى بخسائر فادحة إذا أُجريت. أما الاستطلاع الثاني (4,500 جنيه) فاستهدف قياس تراجع شعبية رئيس الوزراء كير ستارمر لرصد مستويات الاستياء من سياساته المبكرة. في حين خُصص الاستطلاع الثالث (10 آلاف جنيه) لقياس مواقف أعضاء النقابات العمالية، بهدف إثبات ارتفاع نسبة تأييد هذه الشريحة —التي تُعد المعقل التاريخي لحزب العمال— لصالح “حزب الإصلاح”. والمهم أن هذه الأموال دُفعت فعلياً، لكن عبر شركة أمريكية سيطر عليها فريق التحقيق، بينما كان الحزب يعتقد أن التمويل يأتي من متبرع أجنبي مفترض.
الغاية السياسية من اختيار هذه الموضوعات تُرجمت بنجاح فائق على أرض الواقع؛ فهذه الاستطلاعات صُنعت لإنتاج “قصص صحفية” جاهزة. الاستطلاع الأول كان الأكثر تأثيراً على المشهد السياسي والإعلامي، إذ خلص إلى أن حزب العمال سيواجه “خسارة ساحقة” إذا مضت الحكومة في إجراء الانتخابات. وسرعان ما التقطت صحيفة “ديلي تلغراف” هذه النتيجة لتتصدر صفحتها الأولى في يناير، من دون أن تعرف أن “حزب الإصلاح” هو من كلف الاستطلاع. وبمجرد نشر الخبر، استغلت شخصيات بارزة في الحزب هذه الأرقام وروجت لها بكثافة، وهو الضغط الذي أسفر في النهاية عن تراجع الحكومة بالفعل عن خطط تأجيل الانتخابات. وتكرر نمط التوظيف ذاته مع استطلاعي شعبية ستارمر ومواقف النقابات، حيث استُخدمت النتائج إعلامياً لإظهار الحزب كقوة شعبية متنامية تخترق قواعد خصومها.
وهنا ظهر الدور المحوري لشركة “جي إل بارتنرز”، العضو في “المجلس البريطاني لاستطلاعات الرأي”. فالقضية لا تتعلق بصحة الأرقام، بل بمن كلفها ومولها. وقد أقر جيمس جونسون، أحد مؤسسي الشركة، بأن الإدارة كانت تعرف أن “حزب الإصلاح” هو العميل، وأن عدم الكشف عنه كان خطأ إجرائياً. لكن “المجلس البريطاني لاستطلاعات الرأي” ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً وجود “خروقات واضحة” للقاعدة 2.1، التي تشترط الإشارة إلى العميل الذي كلف الاستطلاع السياسي عند نشره للجمهور.
وبذلك نشأ مسار سياسي وإعلامي كامل: الحزب يمول البحث، وشركة استطلاع تنتج الأرقام (التي تثبت تراجع الخصم وصعود الحزب)، ثم تنتقل النتائج إلى صحف كبرى لتتحول إلى خبر، بينما يظل مصدر التكليف السياسي بعيداً عن القارئ. وهذا هو جوهر فضيحة الشفافية: كيف يمكن للمال السياسي أن ينتج معلومة تبدو مستقلة، لتُستخدم كأداة ضغط وتوجيه كأنها نتيجة غير مرتبطة بمصلحة الحزب المستفيد.
أما قانون التبرعات السياسية البريطاني، فهو لا يفرض حظراً مطلقاً على كل الأموال القادمة من الخارج، بل يحدد “المصادر المسموح بها” للتبرعات (مثل الأفراد المسجلين على السجل الانتخابي والشركات العاملة في بريطانيا). وبالتالي، العبرة بمصدر المال الحقيقي. أما الشخص الأمريكي المقيم في الولايات المتحدة، فلا يدخل في المصادر المسموح لها بالتبرع لحزب بريطاني لمجرد أن المال يمر عبر شخص آخر في بريطانيا. ويضع القانون حداً أساسياً قدره 500 جنيه إسترليني؛ فما يزيد عليه يجب فحص مصدره الحقيقي، سواء كان التبرع نقدياً أو “عينياً” مثل دفع تكاليف استطلاع. وتحذر مفوضية الانتخابات من محاولات التحايل على قواعد المصدر الحقيقي وتعتبرها جريمة.
وهذه القواعد هي ما يعطي واقعة الـ500 ألف جنيه وزنها. ففي لقاءات سرية، ناقش جيمس أور ودان جوكس فكرة الحصول على تمويل بنصف مليون جنيه إسترليني من المصدر الأمريكي المفترض، عبر إعطاء الأب الأمريكي المال لابنه المقيم في بريطانيا ليظهر الأخير كمتبرع. ورغم أن المبلغ لم يُدفع فعلياً، إلا أن الترتيب المقترح يهدف لتمويه مصدر الأموال الحقيقي؛ وهو التفاف صريح على القانون. وتكشف التسجيلات وعي أور بهذه الحساسية، إذ ناقش فكرة أن دفع تكاليف الاستطلاع نيابة عن الحزب يمثل “تبرعاً عينياً”، متسائلاً عما إذا كان أحد سيكتشف الأمر، ومؤكداً قدرتهم على الإفلات منه، واصفاً مفوضية الانتخابات بأنها عديمة الفاعلية وأن الترتيب “قانوني تماماً”.
ثم جاء اللقاء مع فاراج نفسه أواخر يوليو بدائرته في كلاكطون. تحدث فاراج مع المتبرع المفترض ووالده عن الاستطلاعات واصفاً إياها بأنها “مذهلة” وأعطت مردوداً كبيراً، وحين انتقل الحديث للدعم المالي المقبل، شكرهما مؤكداً أن كل شيء يتم في النور ووفق القواعد. ورغم عدم وجود وعد صريح بصفقة مقابل المال، وثّق التحقيق انتقال العلاقة من متبرع مفترض إلى وصول مباشر لزعيم الحزب، بينما كان الحزب يستفيد من التمويل سياسياً وإعلامياً؛ حيث ساعد اثنان من الاستطلاعات في دفع الزخم السياسي للحزب قبل الانتخابات.
وفجّر هذا التحقيق الاستقصائي الفضيحة وأربك حسابات “حزب الإصلاح” تزامناً مع انعقاد مؤتمره العام في مدينة برمنغهام؛ حيث سارع الحزب فور بث الفيلم إلى إيقاف وإبعاد المسؤولين الكبيرين اللذين ظهرا في التسجيلات، وهما جيمس أور وجيمس جوكس، ليتركا منصبيهما بانتظار نتيجة التحقيق الداخلي.
وفي المقابل، ينفي “حزب الإصلاح” ارتكاب أي مخالفة، واصفاً ما جرى بـ”عملية استدراج”. وقال فاراج إن الحزب لم يتلقَّ أي أموال غير قانونية، ولم يقبض مبلغ الـ500 ألف جنيه إطلاقاً. ووصف التسجيلات بأنها “ثرثرة حانات غير مسؤولة”، مدعياً امتلاك نظام قوي لفحص المتبرعين؛ وهو ما نفته مفوضية الانتخابات التي أكدت أنها لم توافق على نظام أي حزب، وأن المسؤولية تقع على الأحزاب نفسها.
وبالنظر إلى التبعات القانونية والمؤسسية، فإن مسار التحقيقات يضع الحزب أمام سيناريوهات خطيرة بعد أن أقدم حزبا “العمال” و”الديمقراطيون الأحرار” على التقدم ببلاغات رسمية. فمفوضية الانتخابات تملك صلاحيات فرض غرامات مالية وتوجيه توبيخ رسمي. من جهة أخرى، يمثل تدخل شرطة العاصمة (سكوتلاند يارد) وتقييمها للأدلة تصعيداً ينقل القضية للمربع الجنائي بموجب قانون عام 2000 الذي يجرّم التحايل لإخفاء المصدر الحقيقي للتبرعات، وهي تهمة قد تصل عقوبتها للسجن للمتورطين. وتتضاعف حساسية الموقف بالنظر للمواقع الوظيفية للمسؤولين المتورطين؛ فجيمس أور كان يشغل دوراً استراتيجياً كأحد كبار المنسقين والمساعدين، بينما كان الآخر مسؤول التواصل المباشر لفاراج. هذا يعني أن الأزمة ضربت الدائرة الوظيفية الأقرب لزعيم الحزب، مما يفسر مسارعة الحزب لوقفهما وخروجهما من منصبيهما بانتظار التحقيق الداخلي بمجرد تفجر الفضيحة عبر التحقيق.
ومع هذا الإبعاد والتنحي المؤقت، ودعوة بوب بوزنر، المسؤول القانوني السابق لمفوضية الانتخابات، لفتح تحقيق جنائي، أكدت الشرطة تقييمها للمعلومات. وفي الوقت نفسه، بدأت الجهات المهنية تحقيقاتها في سلوك شركة “جي إل بارتنرز”.
وهكذا تحولت عملية استقصاء بدأت بشخصية وهمية إلى واحدة من أهم القضايا حول المال السياسي: 32,500 جنيه دُفعت فعلياً لاستطلاعات أدت إحداها لتراجع الحكومة عن قرارها ودعمت صعود الحزب لتُمرر لصحف كبرى دون الكشف عن ممولها السياسي؛ 500 ألف جنيه جرى بحث تمريرها للتحايل على القانون؛ إيقاف واستقالة مساعدين مقربين من القيادة وتحرك شرطة سكوتلاند يارد ومفوضية الانتخابات تزامناً مع تفجر التحقيق وانعقاد مؤتمر الحزب؛ وشركة استطلاعات تواجه تحقيقاً مهنياً. وبينما ينفي الحزب التهم، تضع القضية أمام الرأي العام سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى يمكن للمال السياسي المجهول المصدر أن يدخل من بوابة الاستطلاعات إلى غرف الأخبار، ثم يعود للساحة السياسية متخفياً في ثوب “رأي الجمهور”؟