
ليس كل من يضحك سعيدا، ولا كل من يسكت مرتاحا، ولا كل من يقول أنا بخير يكون بخير فعلا. هناك أوجاع لا تجد طريقها إلى الكلام، فتستقر في الداخل وتبدأ مع الوقت بالظهور على صاحبها من حيث لا ينتبه. تتغير ملامحه، يضطرب نومه، تقل شهيته، ويصبح أقل اهتماما بأشياء كانت تعني له الكثير. يحاول أن يعيش بشكل طبيعي، يذهب إلى عمله، يجلس مع الناس، يضحك، ويتصرف كأن شيئا لم يحدث، لكن شيئا ما يكون قد تغير في داخله.
الألم لا يختار بين الناس. قد يسكن بيتا واسعا أو غرفة ضيقة، وقد يصيب من يملك المال كما يصيب من يكافح من أجل يومه. لا يسأل عن العمر ولا عن المكانة. قد يأتي بعد فقدان شخص، أو خسارة عمل، أو فشل حلم، أو نهاية علاقة، وقد يكون سببه شيئا لا يعرفه أحد غير صاحبه.
وفي البيوت حكايات لا يسمعها أحد. أب يخفي خوفه، وأم تكمل يومها رغم التعب، ورجل وامرأة يعيشان تحت سقف واحد بعدما أصبحت المسافة بينهما أكبر من الكلام. وهناك من انتهت علاقته، لكن النهاية لم تحدث داخله بعد، فيظل يعيش تفاصيلها في ذاكرته.
وليس كل ألم مرتبطا بالخسارة. أحيانا يكون في الانتظار نفسه. انتظار نتيجة أو فرصة أو خبر أو اعتذار. شيء قد يبدو بسيطا للآخرين، لكنه يستهلك صاحبه كل يوم.
ومع الوقت يبدأ الجسد في كشف ما يخفيه الإنسان. ينقص وزنه، تتغير ملامحه، يصبح التعب واضحا في وجهه، ويستيقظ من نومه وكأنه لم ينم. قد يغير شكله، يخرج مع الناس، يضحك أمام الكاميرا، وينشر صورة تبدو فيها حياته مستقرة، لكن العينين أحيانا تكونان أكثر صدقا من الصورة.
ثم يأتي الهاتف ليزيد المسافة بين الإنسان وحياته. يرى الآخرين في أجمل لحظاتهم، فيبدأ بمقارنة واقعه بما يظهر على الشاشات. امرأة تشعر أنها متأخرة، ورجل يشعر أنه لم يحقق ما حققه غيره، وشخص ينسى كل ما بذله لأنه يرى أمامه حياة تبدو كاملة. ولا أحد يرى ما حدث قبل الصورة ولا ما يحدث بعدها.
حتى الألم أصبح له متحدثون كثيرون. أشخاص لا يعرفون حياة الآخرين يتحدثون بثقة عن الزواج والطلاق، عن الرجولة والأنوثة، عن النجاح والفشل، ويصدرون أحكاما على حكايات لا يعرفون منها إلا دقائق قليلة. والمتألم يكون أكثر استعدادا لسماع الكلام الذي يشبه وجعه، وقد تكفيه جملة واحدة حتى يعيد النظر في أشياء عاشها لسنوات.
لكن الألم لا يظهر دائما على شكل دموع. قد يتحول إلى عصبية، أو ابتعاد، أو انشغال دائم. بعض الناس يملأون يومهم بالحركة حتى لا يجدوا وقتا لمواجهة ما بداخلهم، وبعضهم يطيل النوم، وآخرون يقضون الليل كله في التفكير ثم يذهبون صباحا إلى أعمالهم وكأن شيئا لم يكن.
والناس يعتادون على تغير الإنسان بسرعة. في البداية يسألون ماذا بك، ثم يصبح ما يرونه منه أمرا عاديا. إذا قل كلامه قالوا هذه طبيعته، وإذا ابتعد قالوا تغير، وإذا ضحك قالوا إنه تجاوز الأمر. لا أحد يعرف ما يحمله فعلا.
يمر الوقت، وتستمر الحياة من الخارج. يعمل الإنسان، يجلس مع الناس، يخرج، يضحك، ويعود إلى بيته. لكن جزءا منه قد يبقى عالقا في مكان آخر، في ذكرى، أو خسارة، أو موقف لم يستطع أن ينساه.
لهذا لا يختفي الألم دائما عندما ينتهي سببه. قد يغادر الشخص وتبقى كلماته، وقد ينتهي الفشل ويبقى الخوف من تكراره، وقد تنتهي العلاقة وتبقى تفاصيلها حاضرة في أشياء صغيرة.
بعض الوجوه تبدو أكبر من أعمار أصحابها، ليس بسبب السنوات، وإنما بسبب ما مر فيها. بعض الابتسامات جاءت بعد ليال ثقيلة، وبعض النظرات تخفي حكايات لا يعرفها أحد.
ثم يكمل الإنسان يومه بين الناس، يتحدث ويضحك ويرد على الأسئلة المعتادة. وحين يسأله أحدهم كيف حالك، يتوقف لحظة، ثم يقول
أنا بخير.