
لم يكن في الأمر ما يستحقُّ كلَّ هذا الضجيج؛
فقط توقّفَ قلبي عن تصحيح أخطائه،
وضعَ رأسَه على صدرِ الغياب
ونام.
اليوم فقط توقفتُ عن تقطيب جرح اللهب،
وانتهيتُ من شواء فخار أيامي،
وكأسماكٍ نكبها زلزالُ ديناميتٍ غاشم،
طفت على سطح نصوصي نساءٌ باكيات،
شققن خمار المجاز،
وأخرياتٌ كسرن أقفاص القصائد،
وتسللن على رؤوس الأصابع هاربات.
قلتُ: أخرجن، فحاجتي لكنَّ اليوم
كحاجة عصفور لجواز السفر،
وخوفي عليكنَّ كخوف الريح
حين يغلقون الحدود،
والغريبُ أنني بقيتُ هناك.
أقفُ خلفَ جسدي،
وأرى الناسَ يتوافدون إليَّ،
واحدًا واحدًا، بعضهم لا أعرفه،
في مقابر وجوههم تنتصب شواهد بلا أسماء ولا عناوين،
كأنهم يدخلون بيتًا لا يعرفون
أن صاحبه غادره من الباب الخلفي.
كان جسدي مستلقيًا
بهدوءٍ يليقُ برجلٍ أنهكهُ الأحياء.
اقتربَ أحدهم،
قبّل جبيني،
ثم قال:
ـ كم كان تعيسًا…
كان المارةُ الجاحدون
يقرأون عريضة أوجاعه ويمضون.
هنيئًا له،
ابتسمتُ.
قلتُ له في سرّي:
نعم أنت أول الجاحدين.
ثم جاء آخر،
ووضع يده على كتفِ أبي،
وقال:
ـ كان رقيقَ الحسّ،
يتألّم من الأشياء
التي لا يلتفت إليها أحد.
التفتُّ إليه.
أردتُ أن أقول:
نعم…
حتى إنني كنتُ أتألّم
من الطريقة التي كان الناس
يموتون بها أمامي،
ثم يواصلون حديثهم.
لكن الموتَ كان قد أغلق فمي،
وأبقى لي أذنين.
وهذا،
ربما،
أقسى ما في الموت:
أن تسمعَ صورتكَ وهي تُصنعُ من جديد
على ألسنة الآخرين.
جاء ثالث لا أعرفه،
كان يحمل دمعةً جاهزة،
كشهادة زور لقنوها لشاهد مأجور،
قال:
ـ كان قلمُه ينثرُ الدرر.
نظرتُ إلى يدي.
كانت أصابعي باردةً،
لكنني رأيتُ بينها
حروفًا صغيرةً ترتجف،
كطيور نجت من حريق غابة.
قلت:
أيها الكاذب…
لم يكن قلمي ينثرُ الدرر.
كان ينثرُ أوجاعي،
ثم يزعمُ أنها نجوم.
كان يأخذُ من قلبي
حفنةَ رماد،
وينفخُ فيها،
فتطيرُ قصيدة.
كان يسرقُ من جروحي
خواتم المعنى،
ويتركُ الدمَ بلا مجاز.
لكنهم كانوا يحتاجون
إلى ميتٍ جميل.
لذلك جعلوني
أجملَ مما كنت.
واحدٌ قال:
ـ لم يكن يعرف الجشع،
كان يبيع أقفاصًا للوهم بسعر التكلفة…
هنيئًا له نجا من فخ الحياة بأعجوبة.
يقول آخر :
(وهو يخفي خنجرًا تحت معطفه):
ـ لم يحمل حقدًا على أحد.
وثالث لم أره في حياتي:
ـ لقد كان صديقًا نادرًا.
مسكين، لقد…
ـ تحالفت قدمه مع الهاوية،
تعثر بعمره فسقط،
كان موته بليغًا.
ورابع:
ـ كان إنسانًا لا يتكرر.
وهمست امرأة لجارتها:
ـ كان كلما فتح عليَّ نار قلبه
اعتقلوه بتهمة الشروع في الحب.
تجيبها الجارة:
ـ تنازل أمام القاضي عن حقه الشخصي
يوم دهسته بتجاهلي وكسر خاطره.
كم كان متسامحًا.
رجل دين بلحية وزبيبة يشق الجموع:
ـ كان رجلاً حادًّا ذبحنا بآرائه.
ادعوا له أن يغفر الله له
ويجنبه عذاب القبر.
كنتُ أريد أن أصرخ:
كفى!
كنتُ أريد أن أفتحَ عينيَّ
وأفسدَ عليهم جنازتي
بكلِّ عيوبي.
أخبرهم
أنني خذلتُ أناسًا أحببتهم،
وأنني غضبتُ،
وحقدتُ أحيانًا،
وخفتُ،
وكذبتُ على نفسي
حين قلتُ إنني لا أخاف.
أخبرهم
أنني لم أكن ذلك الرجلَ
الذي يتسعُ قلبُه للعالم.
كان قلبي، أحيانًا،
أضيقَ من ثقب إبرة.
وأنني في ليالٍ كثيرة بكيت وأنا نزيل سجن وحدتي وحدها أمي كانت تتحمل عناء السفر بين الموت والحياة تحضر
لترش ماء الأنس على بور وحشتي
أمي اليوم التي استأذنت موتها
لتحضر الجنازة أقبلت وبيدها.
ذلك الخبز الذي كانت تقطعه
وكأنها توزّع على الفقر
حصته من النجاة.
قلتُ في سرّي:
من ذا يهش عصافير الحزن عن خبز أمي؟
صوت من بعيد أجاب:
ـ أنت وليس سواك، لأنك صرت جارها في الموت.
مددتُ يدي إليها.
لم أستطع لمسها
غابت في ضباب موتها
وفجأةً…
سمعتُ صوتًا
يشبه صوتي.
كان يقفُ عند رأسي.
قال:
ـ رحم اللهُ الرجلَ الذي
أحبَّ الحياةَ رغم كلِّ ما فعلته به.
ارتجفتُ.
هذا صوتي.
اقتربَ أكثر.
قال:
ـ كان يكتبُ كي لا يسقط،
وحين سقط
تركَ على حافة السقوط
قصيدة.
نظرتُ حولي.
لم يكن هناك أحدٌ غيري.
أنا…
وذلك الذي يتحدث عني.
قلتُ:
من أنت؟
قال:
ـ أنا أنتَ
بعد أن انتهيت.
قلت:
وكيف تتحدثُ عني
وأنا هنا؟
ضحك.
وقال:
ـ لأنك متَّ مرتين.
الأولى
حين توقّف قلبك.
والثانية
حين بدأ الناسُ يتذكرونك.
ثم جلسَ إلى جواري.
كان يرتدي وجهي،
لكن وجهه كان أكثرَ هدوءًا.
قال:
الموت لايسمح للميت أن يدافع عن تاريخه يسلمك للأحياء كي يكتبوا نسختهم الأخيرة منك
ـ هل تريد أن تعرف
ماذا سيقولون غدًا؟
لم أجب.
قال:
سيقولون إنك كنتَ كبيرًا.
ثم بعد سنوات
سيقولون إنك كنتَ جميلًا.
ثم بعد زمن
لن يقولوا شيئًا.
سيبقى اسمك
مسمارًا صغيرًا
في جدارٍ بعيد.
ثم يأتي شخصٌ لا يعرفك
ويقرأ سطرًا لك
فيشعرُ بوخزةٍ لا يعرف مصدرها.
عندها فقط…
ستكون حيًّا.
نظرتُ إلى جسدي.
كانوا يغطونه بالتراب.
حفنةً بعد حفنة.
ومع كل حفنة
كنتُ أشعرُ بشيءٍ مني
يعود إلى الأرض.
طفولتي.
غضبي.
ضحكاتي.
أصدقائي.
المرأة التي أحببتها ولم أقل.
الرسائل التي كتبتها ولم أرسل.
القصائد التي ظننتُ أنها ستخلّدني.
كلُّ شيءٍ كان يهبط.
وسألتُ وأنا أرى الترابَ
يصعد فوق وجهي:
وكيف سأمحو أمية هذا التراب؟
قال الرجلُ الذي يشبهني:
ـ دعه في أميته
إنه لايعرف شيئاً عنا
ومع ذلك سيحفظنا جميعنا
الإنسان
لا يموت حين يدفنونه.
يموت
حين لا يعود أحدٌ قادرًا
على اختراع سؤالٍ عنه.
ثم ابتعد.
ناديتُه:
إلى أين؟
التفت.
قال:
ـ إلى جنازتك القادمة.
قلت:
ومن مات؟
قال:
أنت.
ثم اختفى.
وبقيتُ وحدي…
في مكانٍ لا أرضَ فيه
ولا سماء.
أسمعُ التعازي
تتباعد.
والأصوات
تتحولُ إلى همس.
والهمس
إلى صمت.
وفي اللحظة التي ظننتُ فيها
أنني فقدتُ كلَّ شيء…
سمعتُ صوتَ طفلٍ
يفتحُ كتابًا قديمًا.
قرأ سطرًا لي.
ثم سكت.
رفع رأسه
وقال لأمه:
ـ من هذا؟
عندها…
ابتسمت.
لأول مرة
منذ متُّ.
فقد فهمتُ أخيرًا
أن الموتَ لم يكن
أن أغادر العالم.
الموتُ الحقيقي
أن يمرَّ العالمُ بي
ولا يتعثّر.