
كيف نجلب ثروة بمليارات الدولارات دون منتج محسوس؟ وكيف نصل الى الرفاهية بلا بترول، أو معادن، أو ثروات طبيعية، أو تصدير أو حتى سياحة أو قناة؟ وكيف فعلها غيرنا ببراعة، فوصل الى مجتمع الرفاهية؟
مناجم الذهب المصرية ليست في حلايب وشلاتين، ولكنها في جينات المصريين وعقولهم. ومناجم الألماس تكمن في قدرات المصريين على الإبداع والابتكار، والتي لم تستغل بعد. وثروة مصر الغير مفعلة حتى الآن هي البشر. فالثروة الحقيقية تكمن في شعب مصر الذي يستطيع فعلًا أن يصنع المعجزات. ولكن كيف؟
حين يكون ٦٠٪ من سكان مصر تحت سن ٣٠ سنة، و٣٢٪ من سكانها تحت سن ١٥ سنة، يجب علينا الاستثمار الجاد فيهم، وفي تعليمهم التعليم الراقي كي ننهض بسرعة البرق، كما فعلت الصين بتعداد ١،٤ مليار مواطن وتفعل الهند الآن بتعداد ١،٥ مليار مواطن، ومن قبلهما كوريا الجنوبية وماليزيا، ومن بعدهم ڤيتنام وبعض الدول الإفريقية، فالبشر في هذا السن ثروة عظيمة لا يستهان بها، وقوة عاملة جبارة تهز الجبال، وتقيم الآلاف من المصانع الواعدة، ومعظم جامعات مصر من السهل جدًا أن تتحول إلى مراكز للبحث والتطوير كما فعلت تايوان، وسنغافورة، وهونج كونج، والدول الإسكندنافية. وبراءات الاختراع المصرية من المراكز البحثية قد تغني هذه الدولة بأكثر من المعادن والبترول. وقطاع “الخدمات” services، كالبنوك، والإدارة، والاستشارات الاقتصادية والقانونية، والتأمين، والتجارة، قد تجلب ثروة للبلد لا تماثلها ثروة إذا خرج جيل جديد يتقن الأساليب العصرية فيها. فلن تصدق أن قطاع الخدمات يشكل الآن ٩٢٪ من دخل هونج كونج، و٧٧٪ من دخل الولايات المتحدة، و٧٢٪ من دخل بريطانيا وسويسرا وسنغافورة، و٧٠٪ من دخل فرنسا واليابان، وثروة جميع تلك الدول في هذه الخدمات هي الموارد البشرية التي تعلمت بامتياز واتقنت أساليب العصر في ادارة الخدمات دون أى منتج محسوس، أى ثروة من الهواء!
من الناحية العلمية، تراكم جينات المصريين على مدار ٨ آلاف سنة، لا يوجد له مثيل في العالم؛ لذا فإن ذكاء المصريين وقدرتهم على الإبداع والابتكار تفوق غيرهم بمراحل، ونراها حتى في “الفهلوة والشطارة” التي ميزتهم. فبرغم تدهور التعليم في المدارس المصرية منذ منتصف السبعينيات، وغياب سياسة تعليمية واضحه المعالم وتواكب العصر في جودتها، ما زلنا نرى طفرات عقلية مصرية مذهلة، تثمر في الخارج بغزارة في مناخ موائم للنجاح، وتعطي في الداخل بتميز حين نعطيها الأمل والقدوة والفرصة.
والبداية أن نعترف ونقر أولًا أننا لم نستثمر بما فيه الكفاية في “التعليم الأولي الحكومي والجيد والمجاني” مثلما استثمرت دول جنوب شرق آسيا، فأصبحت دولًا ثرية بعد فقر مدقع، وفي ظرف جيل واحد فقط، ناهيك بالدول الأوروبية، وخاصة الإسكندنافية وألمانيا، والولايات المتحدة، واليابان، وكوريا الجنوبية، التي أنفقت بغزارة شديدة على التعليم الراقي من أموال ضرائبها، فظلت في المقدمة. فمصر تنفق بأفضل القياسات ٣،٨٪ من دخلها القومي على التعليم، في حين أن الحد الأدني الذي حددته اليونسكو هو ٤٪، وتنفق معظم الدول الواعدة والمتقدمة والتي تفوقت في قطاع الخدمات من ٤ إلى ٧٪ من دخلها القومي. وما زال معظم ما ننفقه يهدر مع تدني مرتبات المعلمين، وانتشار الدروس الخصوصية، والمدارس الخاصة الباهظة المصاريف. هذا الاعتراف الصريح هو بداية السلم لأى إصلاح حقيقي وجاد، وهذا هو ما فهمه العالم كله وطبقه، ولم ندركه نحن حتى الآن، أو ربما أننا أدركنا بعضه ولكن لم ندرك بعد مقدار أهميته.
المدهش أن شباب مصر الواعد أصبح يثقف نفسه بنفسه بأدوات العصر المتاحة له خارج المدرسة والمعهد من البرمجة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، ولقد رأيت بنفسي في معظم زياراتي لمصر عباقرة واعدين في هذا المجال، ويفوقون بمراحل نظراءهم في الهند، والولايات المتحدة، وجنوب شرق آسيا، وشمال أوروبا وشرقها.
فعلًا، لدينا ثروة لا تقدر، وعلينا بذل الغالي والرخيص للاستثمار فيها. شباب مصر الذي رأيته في جميع المجالات التي احتككتُ فيها معه من الممكن أن يفعل المستحيل، ويوصل مصر في سنوات معدودة إلى مصاف الدول العظمى، بعيدًا عن عائد السياحة، والتحويلات، والقناة، وكل منتجاتنا الزراعية والصناعية، ويجعل بلدنا أغنى دول المنطقة بمراحل!
أكررها بكل وضوح وبإخلاص: التعليم، التعليم، التعليم، وما دونه حرث في بحر! ما رأيك؟