
يوم شتائي نادر الشروق والدفء والجبال المطلة على الخليج مشرقة بالضوء والسر والجمال وبضعة قوارب شراعية ملونة تعبره بانسياببة،
ومن الخلف غابة آسرة غابة الغزلان والدروب الترابية والاشجار الكثيفة
وبحيرة زنابق الماء كلوحة كلود مونيه عن زهور الماء أو Water Lilies أو نيلوفرية، Nymphaea في اليونانية أو روح الإنوثة في الأساطير اليونانية.
مفهوم الإنوثة يختلف من ثقافة إلى أخرى،
وهو عندنا يعني الصفات الجسدية والطاقة الجسدية الحسية للمرأة وهو السائد، في حين يعترض البعض عن حق على هذا المفهوم لأنه من المعايير الاجتماعية والقوالب التي حصرت المرأة في إطار مظهري،
وعملت الشركات التجارية على تعميق هذا المفهوم الخاطئ لاغراض تجارية
لبيع الأزياء وتحويل النساء الى دمى تتنقل،
كذلك الرجال ساهموا في ترسيخ المفهوم للمتعة واللذة وصدقته النساء،
حتى صار المعيار الوحيد الباهت والمزيف للإنوثة.
كما تم تشويه مفهوم الانوثة تم تشويه مفهوم الذكورة والرجولة عندنا الذي ارتبط بالعنف والخشونة والشراسة وليس بالعلم والمعرفة المنفتحة والخلق والابداع والابتكار والخ.
صار هذا التعريف هو الراسخ لهذا المفهوم من قبل حتى النساء كما تقبلن مفاهيم كثيرة خاطئة
في حين مفهوم الذكورة والانوثة أعمق من هذا الوصف المختزل،
وهو يعني طاقة الحياة والتفتح والجمال الروحي والوضوح والشجاعة والشفافية واللطف والحزم والاستقلالية،
ولا تستعاد إنوثة ميتة لأن الجزء الجوهري الروحي غائب أو مشوه.
في هذا الجو الشبيه بإحتفال ربيعي مبكر، دخلت إبنتي الباب وتعثرت بالسجادة الصغيرة للأحذية وعادت لها ورفستها بغضب،
ثم أغلقت الباب الذي لم يغلق تماما وعادت الى غلقه بعنف،
ورمت الحقيبة في الصالة وتناثرت الكتب،
وكنت كجندي قديم تلقى إنذاراً بقرب هجوم وشيك أستعد للأسوأ والقادم،
ثم نظرت إلي بعيني أفعى محاصرة تبرق بشعاع رهيب،
وهي تقول :
” أنت أوقعتني في ورطة اليوم”
” ماذا جرى، بابا؟”
” في الكلية ــــــــــــــــــــ علوم سياسية ـــــــــــــــــــ كان الدرس عن مفهوم الحقيقة،
أنت كررت علي مرات إن الحقيقة واحدة في كل زمان ومكان،
ولا تتغير إلا بشكل طفيف ونسبي، وعندما قلت ذلك للأستاذة قالت ساخرة أمام الطلاب:
” من هو الحمار الذي قال لك ذلك”؟.
قلت بلا إستغراب من هذا النوع من الاساتذة الأغبياء الحرفيين والنصوصيين:
” عن أية حقيقة كان الدرس؟”
” الحقيقة بصورة عامة”
” هذه الاستاذة غبية ما اسمها؟”
” رانسي”
” الاسم جميل وهو يعني بالفرنسية الغزال لكنها في الواقع حمارة”
” كيف؟”
” ليست هناك حقيقة بشكل عام، كان عليها أن تحدد عن أية حقيقة تتكلم،
وعندما قلت لك ان الحقيقة ثابتة نوعا ما وتتغير بشكل طفيف،
كنت أقصد حقائق الرياضيات والفيزياء وحتى هذه تتغير في ظروف بيئية مختلفة،
في القمر والكواكب تختلف حقائق الفيزياء والرياضيات مثلا وحتى في الأرض”.
ومع كأس من العصير الذي جهزته لها مسبقاً بدت أكثر تقبلاً وهدوءا وحان الوقت لكي أدافع عن نفسي من تلك الصفة المشينة التي لحقتها بي الاستاذة رانسي،
وكنت قبل لحظات أتخيل نفسي ملكاً منفياً في هذا البهاء الذي ينسكب علي من كل مكان لذلك قلت وأنا أرفع حقيبتها وأجمع الكتب:
” هناك حقائق كثيرة ومختلفة: الحقيقة الاجتماعية متغيرة من بلد الى آخر بل داخل المدينة الواحدة وفي حالات داخل الأسرة وتسمى المعايير”.
” مثلا؟”
” في العراق في النجف لا يمكن للمرأة السفور ولا بيع الخمور أو الموسيقى كما أتذكر في الأقل لا يمكن بصورة علنية لكن هذا عادي في بغداد والبصرة،
وفي بغداد مثلاً يمكن للرجل الجلوس في شورت في مقهى، لكنه لا يمكن الذهاب به في جنازة أو حضور مأتم بالشورت، وفي الاسرة تختلف المعايير أو الحقائق كما يسمونها من فرد لاخر كأن يكون الأب شخصية مليئة بالأساطير الدينية والأم تقرأ الادب الفرنسي والانكليزي والشعر وتسمع الموسيقى،
وهناك في الاسرة الواحدة من هو يساري ومن هو اسلامي ومن يعمل في مركز تعذيب
ومن هو مطيرجي . في البصرة من العادي ان تغني فرق الخشابة في الشارع لكن هذا غير ممكن في كربلاء”.
حان الوقت للقيام بهجوم مضاد أوسع على رانسي الحمقاء فقلت:
” والحقيقة الثقافية تختلف من بلد الى آخر”
” مثلاً؟”
تلك اللحظة نورس أبيض يزعق من الشرفة لأنني عودته على الطعام فقلت:
” ما هو ممنوع في دول كثيرة كالحشيش والمخدرات هو السلوك النمطي في البيرو وإفغانستان ودول أخرى لاختلاف النظرة والحقائق الاجتماعية والمعايير،
حتى في ساحة بيكادلي في لندن يمكن تناول الحشيش لكن خارجها ممنوع،
وهو موجود في حديقة كبيرة في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك حيث أكشاك البيع علنية لحصر هذه الآفة في مكان محدد لأن المنع الكلي يوسع الظاهرة والمثل الانكليزي عن اختلاف المعايير يقول” رذائل بيكادلي هي السلوك النمطي في البيرو” هل تعرفين الباشا نوري سعيد؟”
” لا، سمعته منك مرة ”
” رئيس وزراء عراقي داهية وفي يوم قرر مجلس النواب الملكي غلق المبغى أو زقائق الخطيئة أو الكلجية في بغداد مقابل وزارة الدفاع في حي الصابونجية جوار محل لبن أربيل والمكتبة الوطنية الان ولا حظي كيف تتراكم الامكنة بتشوه مع أن الكلجية اليوم في العراق صارت أيديولوجيا وسلطة وإقتصادا وفلسفة ومؤسسات وثقافة”
” والآن قل لي ماذا فعل الباشا؟”
” قال لهم لو أغلقنا الكلجية ستنتشر الماجدات ــ بتعبير صدام حسين، وخاض حربا مهلكة بإسمهن لحشد الهمم ــ وتتحول بغداد كلها الى مبغى”
” كان على حق، ما علاقة هذا بمفهوم الحقيقة؟”
” ما كان يجري في المبغى العام سراً،
هو سلوك عادي ورسمي في دكاكين في أمستردام في هولندة حيث تعرض
النساء خلف واجهات المحلات الزجاجية والزبون يختار، لكن هنا في النرويج الدعارة ممنوع تماماً”
” أفهم من ذلك أن مفهوما واحدا للحقيقة لا وجود له؟”
” تماماً، الحقيقة العلمية تختلف عن الحقيقة الاجتماعية وهذه تختلف عن الحقيقة الثقافية وتختلف الحقيقة الثقافية والفكرية عن الحقيقة السياسية اذا كان في السياسة حقيقة،
ونحن نتحدث عن الحقيقة بلغة إنشائية عمومية دون تحديد أية حقيقة ورانسي كانت مخطئة وهي تتحدث عن مفهوم الحقيقة بصورة عامة.
في كابول مثلا الزي التقليدي للنساء هو شادور او النقاب كما لو ان المرأة كصندوق متجول ترى بشباك لكنه نشاز في أوسلو وغيرها رغم ان الدولة لا تمنع ،
ومرور فتاة مغناج دلوعة بفستان فوق الركبة تتمايل مثل غصن البان في كربلاء سافرة يخالف التقاليد ـــــــــــــــــ اذا بقي منها شيئا ـــــــــــــــ لكنه في نيويورك أو باريس مشهد مألوف”.
وفي النهاية سمعتها تقول كما لو تكلم نفسها:
” أعتذر لك بابا ، لأنني عالقة بشبكة هويات ومفاهيم وثقافات مختلفة بين الام والاب والمجتمع هنا وهذا التشابك يسبب لي بلبلة أحياناً”.
عندها شعرت بزوال الخطر تماماً فقلت:
” على العكس من هذا وهذا التنوع في الهويات عامل ثراء لو استطعنا تحويلها الى هوية مفتوحة للتعدد”.
فقالت ضاحكة:
” تجربتك تختلف فأنت تسمع زهور حسين وسيلين ديو،
وتقرأ للجاحظ كما تقرأ لشكسبير، والسبحة تفرقع بين أصابعك وأنت تصغي بغياب لبحيرة البجع لشاكوفسكي، ومن تجارب الحرب والخنادق الى الرواية وحدائق ومكاتب أوروبا حتى يستحيل اختصارك بصفة”
” ولماذا الاختصار والاختزال والانتقاء؟ الهوية مفتوحة للتعدد والهوية المغلقة كصندق العجائز المغلف بالغبار والعفن”.
” والآن أريد حكاية قبل النوم ؟”
” كان يا ما كان في قديم الزمان في العراق فراشة تبكي”
” عدنا للكذب؟ فراشة تبكي في العراق؟”
” نعم، بابا، حتى الحجر يبكي اليوم في العراق، ولو عاشت رانسي أستاذتك إسبوعاً في العراق، لما عرفت هل هي بقرة أم علبة دهن أم خل تالف،
ولفهمت أكثر أن لا حقيقة واحدة في الحياة بل لا توجد حقائق بل امزجة وحماقات ونزوات صنعت تاريخا وتصنع اليوم”.
وانسحبت للشرفة كي أستعيد الحالة النفسية للملك المنفي،وأعود لكتابة الفصل الأخير من رواية. سمعت خطواتها تصعد سلالم الدرج الخشبية الى غرفتها في الطابق الثاني فوق غرفتي وتندلع موسيقى غربية في حين كنت أردد” أمشي وأكول أوصلت والكنطرة بعيدة”.
كانت تصعد الدرج الى عالمها وكنت اغوص في الذاكرة الى عالمي المتلاشي. كان السلم الخشبي يربط بين عالمين. عالم حاضر ويتشكل وعالم يتلاشى ويوشك على الانقراض