
هناك لحظات في الحروب لا تكون فيها الخريطة مجرد خريطة، ولا يكون سقوط مدينة مجرد خسارة موقع.
وما جرى في الساحل الغربي خلال الساعات الماضية واحد من تلك المنعطفات التي لا يجوز قراءتها بعاطفة البيانات ولا بضجيج الانتصارات؛ بل بالسؤال: لماذا الآن؟ وكيف تحولت قوة كانت تتقدم في مأرب والجوف إلى قوة تعيد التموضع بهذا الحجم على الساحل؟
كيف انتهى الأمر بانسحابات واسعة، وإعادة تجميع للقوات وإنشاء مركز قيادة بديل، وصولاً إلى دخول الحوثيين المخا.
وإذا استقر هذا التطور ميدانياً، فالمسألة ليست مجرد فقدان منطقة؛ فالمخا تعني الساحل، والساحل يعني البحر الأحمر، والبحر الأحمر يعني باب المندب والتجارة والطاقة والأمن الإقليمي والدولي.
السؤال إذن ليس: من تقدم ومن تراجع؟ بل: كيف انهارت جبهة بهذا الشكل؟
لا يجوز تحويل الشك إلى اتهام، لكن الحديث عن احتمال وجود خلل بنيوي مشروع: هل كانت هناك فجوة استخباراتية؟ خلل في القيادة والسيطرة؟ تضارب في مراكز القرار؟ ضعف في الإمداد؟ أم أن الحوثيين نجحوا في اختيار اللحظة وضرب أضعف نقطة بأكبر قوة نارية؟ ففي الحروب، ليس أخطر الاختراقات أن يفتح عميل بوابة؛ أحياناً يكفي أن تتصرف غرف العمليات كجزر منفصلة حتى ينهار جيش كامل.
والأخطر أن الهجوم قد لا يكون وليد اللحظة، فإذا صحت تقارير الحشود والتعزيزات الحوثية نحو الساحل، فنحن أمام عملية ربما أُعد لها وانتظرت توقيتها.
وقد يكون الحوثيون قد تركوا خصومهم ينشغلون بجبهات أخرى، ثم ضربوا المكان الأكثر حساسية: الساحل.
فالموقع في مأرب يمنح ميزة عسكرية، أما الساحل القريب من باب المندب فيمنح ورقة تفاوض إقليمية ودولية.
لهذا فإن السؤال الأخطر ليس: هل يحتفظ الحوثي بالمخا؟ بل: إلى أين يسير بعد المخا؟
إذا توقف عندها، فقد يكون ما حدث انتكاسة قاسية يعقبها تثبيت وإعادة تنظيم.
أما إذا اتجه الضغط نحو ذو باب وباب المندب، فنحن أمام تغيير نوعي في ميزان القوة؛ لأن من يقترب من باب المندب لا يهدد جبهة يمنية فحسب، بل يقترب من واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.
وهنا تدخل السعودية في قلب الحساب، فالهجمات الحوثية على أراضيها، بالتزامن مع هذا التقدم، تصنع معادلة خطرة: ضغط على السعودية من جهة، واقتراب من البحر الأحمر من جهة أخرى.
والرياض لن تستطيع التعامل مع ذلك كملف يمني داخلي فقط، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو معنية بالاندفاع إلى حرب مفتوحة بلا سقف. لذلك قد يأتي الرد عبر مزيج من الردع والدفاع الجوي والاستخبارات والدعم العسكري للقوات اليمنية وحماية الملاحة، مع إبقاء الخيارات الأشد على الطاولة.
أما الحديث عن تركيا وباكستان، فيجب ألا يتحول إلى توقع بتدخل بري وشيك، الشراكات الدفاعية مهمة، لكنها لا تعني تلقائياً إرسال قوات إلى اليمن.
وقد تبدأ الاستجابة من حماية السعودية والمنشآت والممرات البحرية، قبل أي خطوة أخرى.
وفي المقابل، تتقدم الدبلوماسية إلى الواجهة، بريطانيا والاتحاد الأوروبي يتحدثان عن مسؤولية الحوثيين وتهديد الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي، ومجلس الأمن يتابع التطورات.
لا دليل على أن ما حدث في الساحل نُسق مع اجتماع مجلس الأمن، لكن التزامن ليس بلا معنى: كلما اقترب الخطر من باب المندب، خرجت القضية من حدود الحرب اليمنية إلى أمن دولي مفتوح.
أما الحكومة اليمنية، فعليها أن تتوقف عن الاكتفاء بلغة إعادة التموضع، فالسؤال الذي يجب أن يجيب عنه التحقيق العسكري، لا وسائل التواصل، هو: أين انكسرت الجبهة؟ ومن أخطأ في تقدير الموقف؟ وكيف وصل الحوثي بهذه السرعة؟
لأن القوات التي لا تحقق في أسباب الانهيار ستعيد إنتاجه، وما حدث قد يكون هزيمة تكتيكية، وقد يكون بداية لهجوم مضاد، وقد يكون بداية انهيار متسلسل.
وحده الميدان سيحسم ذلك، فإذا ثبت خط دفاع جديد، وتوحدت القيادة، وتأمنت الإمدادات، واستعيدت المبادرة، يمكن أن يتحول التراجع إلى فرصة لإعادة بناء الجبهة.
أما إذا استمر الانسحاب جنوباً، فسنكون أمام تغيير حقيقي في معادلة الساحل، لهذا لا ينبغي أن نراقب البيانات فقط، راقبوا الخرائط، لا تسمعوا التصريحات فقط، راقبوا حركة القوات، ولا تسألوا فقط من ربح معركة الأمس.
اسألوا: من يقترب من ماذا؟
فالمخا ليست النهاية، وربما ليست البداية، إنها اختبار لجبهة كاملة، ورسالة إلى الرياض وصنعاء والعالم بأن من يملك الساحل يملك ورقة في البحر الأحمر، ومن يقترب من باب المندب يقترب من قلب المعادلة الإقليمية.
الميدان يتكلم الآن بصوت أعلى من البيانات، والسؤال الذي لا يحتمل التأجيل: هل قرأنا رسالة المخا قبل أن يتكلم باب المندب؟