
إن كان التدخل في الانتخابات يمكن تفسيره بخلاف مع النظام الجزائري الحالي، فإن ما قامت به الإمارات من محاولة إشعال العداء بين مكونات الشعب الجزائري لا يمكن تفسيره إلا بأنه يتجاوز توصيف الخلاف السياسي إلى عداء يحمله النظام الإماراتي للشعب الجزائري.
فبتاريخ 1 ماي 2025، قامت قناة “سكاي نيوز عربية”، وهي قناة مملوكة بشكل كامل للشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الإمارات العربية المتحدة، باستخدام منصتها الإعلامية لبث تصريح لباحث جزائري وصف فيه الأمازيغية بأنها “مشروع فرنسي-صهيوني”، في مساس مباشر بالعصب الأكثر حساسية في المجتمع الجزائري والمتمثل في مسألة الهوية، وهو الأمر الذي جعل التلفزيون العمومي آنذاك يرد بقوة على ذلك متهماً “دويلة” الإمارات بالوقوف خلف ذلك، وهو أمر منطقي كون المنصة الإعلامية مملوكة بشكل كامل لنائب الرئيس الإماراتي.
وبالموازاة مع ذلك، لا يخفى أن الإمارات تقوم بدعم زعيم حركة “الماك” فرحات مهني، التي تصنفها الجزائر كحركة إرهابية بموجب قرار صادر عن وزير الداخلية بتاريخ 6 فيفري 2022، وهي الحركة التي تدعو بشكل صريح إلى تقسيم الجزائر وتتبنى خطاباً يحرض على الكراهية بين مكونات الشعب الجزائري، وهو ما يعكس وجود نية مبيتة للنظام الإماراتي لضرب مكونات الشعب الجزائري، إذ يسخر منصاته تارة لمهاجمة الأمازيغية وتارة أخرى لدعم من يريد تقسيم الجزائر وإقامة دولة قبائلية منفصلة عنها.
وهو أحد أبرز الملفات التي عمّقت هوة الخلاف بين الجزائر والإمارات، إذ تزايدت، خلال السنوات الأخيرة، التحركات الإماراتية في عدد من الأزمات الإقليمية الواقعة ضمن المجال الجيوسياسي والأمني المحيط بالجزائر، الأمر الذي أثار في الجزائر مخاوف متزايدة بشأن انعكاسات هذه السياسات على أمنها القومي وعمقها الاستراتيجي.
ففي ليبيا، قدمت الإمارات دعماً مهماً لقوات خليفة حفتر، وأصبحت من أبرز الأطراف الخارجية المنخرطة في الصراع الليبي، بما جعل تداعيات النزاع تمتد بصورة مباشرة إلى البيئة الأمنية للحدود الجزائرية الشرقية. وفي منطقة الساحل، تزايد الحضور الخارجي مع تفاقم الأزمات في مالي والنيجر وتراجع الأطر الإقليمية التقليدية التي كانت الجزائر تؤدي فيها دوراً سياسياً وأمنياً بارزاً.
وفي الجبهة الغربية، أسهمت الإمارات بشكل فعال في عملية التطبيع المغربي مع إسرائيل، بشكل جلب العدو الصيوني لأول مرة إلى الحدود الجزائرية. ومن ثم، فإن تراكم هذه التحركات في ليبيا والساحل والمغرب أسهم، من المنظور الجزائري، في تكوين بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، ولا سيما في مناطق تعتبرها الجزائر جزءاً من مجالها الاستراتيجي المباشر.
وقد أصبح هذا التباين أكثر وضوحاً مع تصاعد الخلاف السياسي بين البلدين، وصولاً إلى قرار الجزائر في 10 سبتمبر 2026 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، بعد أن اعتبرت السلوك الإماراتي ذا طابع استفزازي وعدائي.
وأما الحرب الناعمة ضد الجزائر وهذا من أخطر عناصر التصرفات العدائية التي تستهدف مباشرة وعي الجزائريين، لا سيما فئة الشباب؛ فالإمارات تحاول استقطاب المؤثرين الجزائريين في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، واستخدامهم بطريقة تستهدف الملايين من الجماهير الجزائرية بشكل مباشر. والأثر المباشر الملحوظ حالياً هو محاولة ضرب أخلاق الشباب الجزائري من خلال نقل قيم لا تمت لقيم المجتمع الجزائري بصلة، وهي مسألة في منتهى الخطورة، أما الأخطر فهو إمكانية استخدام هؤلاء وتوظيفهم لأغراض سياسية تستهدف الجزائر.
بالإضافة إلى ذلك، ثبت تورط شبكات تنشط في الإمارات بإدارة مجموعة كبيرة من الحسابات والصفحات المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، تعمل بشكل منسق وتركز على قضايا محددة، من بينها قضايا تتعلق بالجزائر. وقد تطورت هذه الممارسات مع وجود الذكاء الاصطناعي الذي جعل توليد المحتوى ونشره وتضخيمه أسهل بكثير ليبلغ مستويات غير مسبوقة.
وهذا النوع من الحروب والحملات التضليلية يستهدف مباشرة البنية الإدراكية للجزائريين من خلال التشكيك في شرعية المؤسسات وزعزعة الثقة بالجيش وغيرها من المسائل ذات العلاقة بالهوية والاقتصاد والمجتمع والسياسة الخارجية. وتحتضن الإمارات حالياً المقرات الإقليمية للعديد من منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك”، و”إكس” (تويتر سابقاً)، و”تيك توك”، وهو ما يمنحها قرباً من هذه المؤسسات يسمح لها بالتأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في الخوارزميات وسياسات المحتوى.
وختاماً، فالقرار الذي اتخذته الدولة الجزائرية جاء بعد سنوات صاحبها نمط مستمر ومتكرر من التصرفات الاستفزازية الماسة بمصالح الجزائر، بذلت فيها جهوداً كبيرة لجعل الطرف الإماراتي يصحح سلوكه، سواء بالوسائل الودية أو التدابير العقابية المحدودة مثل إلغاء اتفاق الخدمة الجوية في فيفري الماضي. غير أن التصرفات العدائية الإماراتية استمرت ووصلت إلى حد اعتبرته الجزائر تجاوزاً لحدود المقبول، وأن الأنسب في المرحلة الحالية هو قطع العلاقات الدبلوماسية، وقد تبع ذلك قرار الجزائر إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات العسكرية والتجارية.