رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :وقائع غير حاسمة… أم قواعد اشتباك غير معلنة؟

قراءة أعمق في أكثر من أربعة عقود من المواجهة الأمريكية–الإيرانية.

كتب الزميل حمادة فراعنة تحت عنوان «وقائع غير حاسمة» عن المواجهة الأمريكية–الإيرانية الراهنة، وانتهى إلى أن أياً من الطرفين لم يتمكن من تحقيق حسم نهائي في الصراع الدائر بينهما. وهي قراءة تلتقط جانباً مهماً من المشهد، لكنها، في تقديري، تظل بحاجة إلى وضع المواجهة الحالية في سياقها التاريخي الأوسع؛ لأن ما يجري بين واشنطن وطهران ليس جولة منفصلة، وإنما حلقة جديدة في علاقة صراعية ممتدة لأكثر من أربعة عقود، تعاقبت فيها الأزمات والضربات والعقوبات والتهديدات والمفاوضات والاتفاقات، من دون أن يصل أي طرف إلى إسقاط الطرف الآخر أو إخراجه نهائياً من معادلة المنطقة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل عدم الحسم المتكرر هو مجرد نتيجة لعجز كل طرف عن تحقيق أهدافه، أم أن «عدم الحسم» أصبح، مع مرور الزمن، جزءاً من طبيعة العلاقة ووظيفتها؟

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت الولايات المتحدة وإيران في حالة عداء مفتوح، بدأت بأزمة الرهائن وقطع العلاقات والعقوبات، ثم تعقدت خلال الحرب العراقية–الإيرانية، وحرب الناقلات في الخليج، والمواجهة البحرية عام 1988، ثم العقوبات المتصاعدة في التسعينيات، وصولاً إلى الملف النووي، والعراق وأفغانستان، والصراع غير المباشر عبر القوى الإقليمية، ثم اغتيال قاسم سليماني عام 2020. ومع ذلك، لم تتحول أي من هذه المحطات إلى حرب شاملة تنتهي بإسقاط النظام الإيراني أو بتدمير قدرته على لعب دور إقليمي.

بل إن بعض التحولات الكبرى في المنطقة أفضت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى توسيع مجال النفوذ الإيراني. فإسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003 أزال أحد أهم الخصوم الإقليميين لطهران، وفتح أمامها مجالاً واسعاً للتأثير في العراق، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة هي القوة التي قامت بالعملية العسكرية وأدارت نتائجها. وهذه ليست ملاحظة عابرة، وإنما مفارقة استراتيجية تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لسياسة تستهدف احتواء إيران أن تنتج في بعض مراحلها ظروفاً تساعد على اتساع نفوذها؟

ثم جاء الملف النووي ليكشف بوضوح أكبر طبيعة العلاقة المركبة بين الضغط والتفاوض.

فبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الدولية، انتهت المفاوضات عام 2015 إلى الاتفاق النووي المعروف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA). قبلت إيران قيوداً كبيرة على مخزون اليورانيوم والتخصيب وأعداد أجهزة الطرد المركزي، وأخضعت منشآتها لرقابة دولية أوسع، مقابل تخفيف العقوبات. وقد كان جوهر الاتفاق هو إدارة الخطر النووي الإيراني من خلال القيود والتحقق، وليس إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء دوره الإقليمي.

لكن الرئيس دونالد ترامب انسحب من الاتفاق عام 2018، وأعاد فرض العقوبات في إطار سياسة «الضغط الأقصى»، معلناً أن الاتفاق لا يعالج الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي الإيراني. وبعد ذلك أخذت إيران تدريجياً في تجاوز القيود النووية التي كانت قد قبلتها. والمفارقة هنا أن سياسة الضغط الأقصى لم تُنهِ النظام الإيراني، ولم توقف نفوذه الإقليمي، ولم تمنع عودة الطرفين إلى مسار التفاوض لاحقاً. بل عادت الاتصالات الأمريكية–الإيرانية غير المباشرة حول الملف النووي في عام 2025، بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية المباشرة.

وهذا يقود إلى استنتاج بالغ الأهمية: التفاوض لم يكن نقيضاً للصراع، بل كان في كثير من الأحيان إحدى أدوات إدارته.

فالمعادلة تبدو، عند قراءة العقود الأربعة كوحدة واحدة، أقرب إلى دورة متكررة: ضغط، تصعيد، عقوبات، رد إيراني، تهديد باستخدام القوة، احتواء، قنوات خلفية، تفاوض، اتفاق أو تفاهم، ثم انهيار الاتفاق أو تعطيله، والعودة إلى الضغط والتفاوض من جديد.

وحتى في أكثر اللحظات خطورة، ظهرت حدود معينة للتصعيد. ففي أعقاب اغتيال قاسم سليماني في بغداد عام 2020، ردت إيران بضربات صاروخية على قواعد تستضيف قوات أمريكية في العراق، لكن المواجهة لم تتحول إلى حرب أمريكية–إيرانية شاملة. هذه الواقعة، وغيرها، لا تثبت وجود «قواعد اشتباك» مكتوبة أو متفق عليها، لكنها تعكس وجود حسابات متبادلة للكلفة وحدود للتصعيد وآليات لتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:

قواعد اشتباك متفق عليها رسمياً، وهي تحتاج إلى أدلة ووثائق مباشرة؛ وبين قواعد اشتباك فعلية وغير معلنة تتشكل من توازن الردع، والخطوط الحمراء، وحسابات المصالح، والخوف من الكلفة غير القابلة للضبط.

والراجح أن ما نشهده بين واشنطن وطهران ينتمي، بدرجات مختلفة، إلى النوع الثاني.

لكن السؤال الأكثر عمقاً لا يتعلق فقط بكيفية إدارة الصراع، بل بماذا يريد كل طرف في نهايته؟

هل الهدف الأمريكي، طوال هذه العقود، كان فعلاً القضاء على إيران كقوة إقليمية؟ أم كان الهدف احتواء قوتها، ومنعها من امتلاك السلاح النووي، وإضعاف قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها، مع إبقائها قوة إقليمية تستطيع أن تؤدي دوراً محدداً داخل توازنات المنطقة؟

هذه فرضية تحليلية لا يجوز تحويلها إلى حقيقة قطعية من دون وثائق، لكنها تستحق الدراسة لأن الوقائع المتراكمة تجعلها قابلة للنقاش.

فلو كان الهدف الأمريكي هو إنهاء إيران كقوة إقليمية، فإن النتائج لا تبدو متطابقة مع الهدف. إيران خرجت من أزمات كبرى وهي لا تزال قوة إقليمية مؤثرة، وتمكنت بعد الحرب العراقية–الإيرانية من إعادة بناء قدراتها، ووسعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وطورت برنامجها الصاروخي والنووي، واستمرت في التأثير في أمن الخليج والمنطقة.

وفي المقابل، لم تكن الولايات المتحدة عاجزة عن إلحاق أضرار جسيمة بإيران. العقوبات ألحقت أضراراً اقتصادية هائلة، والعمليات العسكرية والاستخبارية استهدفت قدرات إيرانية مهمة، والضغط الدبلوماسي والعسكري حدّ من مجالات واسعة من الحركة الإيرانية. لكن كل ذلك لم يؤدِ إلى النتيجة النهائية المفترضة: إنهاء الدور الإيراني.

وهنا يمكن صياغة الفكرة بصورة أكثر دقة:

ربما لم تكن المعادلة الأمريكية هي إيران قوية أو إيران منهارة، وإنما إيران قوية بما يكفي لتؤدي دوراً إقليمياً، وضعيفة بما يكفي كي لا تتحول إلى قوة مهيمنة على الإقليم.

وهذا الدور الإيراني نفسه يمكن أن يكون جزءاً من توازنات إقليمية أوسع؛ إذ إن وجود قوة إقليمية منافسة للعرب وتركيا و”إسرائيل”، ومتصادمة مع الولايات المتحدة ولكن دون القدرة على إسقاط النظام الإقليمي كله، يتيح للفاعلين الدوليين والإقليميين إعادة توزيع التحالفات والضغوط والصفقات بصورة مستمرة.

ولا يعني ذلك أن واشنطن وطهران حليفتان، ولا أن خلافاتهما مصطنعة، ولا أن دماء ضحايا الصراعات التي ارتبطت بهما وهمية. العكس هو الصحيح: الصراع حقيقي، والعداء حقيقي، والضحايا حقيقيون؛ لكن حقيقة الصراع لا تعني بالضرورة أن غايته النهائية هي الحسم العسكري.

وهنا أيضاً ينبغي الفصل بين الحسابات الأمريكية والحسابات الإسرائيلية. فالمستعمرة الإسرائيلية قد تنظر إلى القوة الإيرانية، ولا سيما البرنامج النووي وشبكة الحلفاء الإقليميين، باعتبارها تهديداً وجودياً يستدعي إضعاف إيران بصورة أكثر جذرية. أما الحساب الأمريكي فقد يكون أكثر ارتباطاً بمنع الانتشار النووي، وضبط التوازن الإقليمي، وحماية المصالح والقواعد والحلفاء، ومنع نشوب حرب إقليمية شاملة تكون كلفتها على الولايات المتحدة هائلة.

ومن هذه الزاوية يصبح الملف النووي أكثر من مجرد نزاع تقني حول تخصيب اليورانيوم. إنه مؤشر على طبيعة العلاقة كلها: عندما يشتد الخطر، تتقدم أدوات الضغط؛ وعندما يصبح خطر الانفجار أكبر من القدرة على احتماله، تفتح أبواب التفاوض؛ وعندما يتراجع الخطر أو يتغير ميزان القوة، تعود العقوبات والتهديدات.

وهكذا لا يعود السؤال: من انتصر في الجولة الأخيرة؟

بل يصبح السؤال الأكثر أهمية:

هل كان الصراع الأمريكي–الإيراني يبحث طوال هذه العقود عن نهاية، أم كان يبحث عن توازن؟

إذا كان يبحث عن نهاية، فلماذا لم تتحقق بعد أكثر من أربعة عقود رغم الفوارق الهائلة في القوة؟

وإذا كان يبحث عن توازن، فما حدود هذا التوازن؟ ومن المستفيد من استمرار إيران قوة إقليمية مؤثرة، ولكن محاصرة بالعقوبات والتهديدات والضغوط؟

إن «الوقائع غير الحاسمة» التي يشير إليها فراعنة قد تكون، من منظور أوسع، أكثر من مجرد عجز متبادل عن تحقيق النصر. فقد يكون عدم الحسم نفسه أحد مخرجات المعادلة التي استقرت عليها المنطقة: لا حرب شاملة تنهي إيران، ولا تسوية نهائية تنهي الصراع، ولا إيران منهارة، ولا إيران مهيمنة.

وبذلك يصبح الصراع الأمريكي–الإيرانية أقرب إلى عملية مستمرة لإعادة ضبط ميزان القوى، تتغير أدواتها من العقوبات إلى المفاوضات، ومن الوكلاء إلى الضربات المباشرة، ومن التهديد إلى الردع، دون أن تصل إلى نقطة النهاية.

وهنا تكمن أهمية النظر إلى أكثر من أربعة عقود لا إلى الجولة الراهنة وحدها؛ لأن التاريخ المتراكم قد يكشف ما لا تكشفه الضربة الأخيرة أو التصريح الأخير.

فربما لم يكن السؤال طوال هذه العقود: كيف تنتصر أمريكا على إيران، أو كيف تنتصر إيران على أمريكا؟

بل كان السؤال الأعمق:

كيف يبقى الصراع قائماً، وكيف تبقى إيران قوة إقليمية مؤثرة، دون أن يُسمح لها بأن تتحول إلى القوة المهيمنة على الإقليم؟

وهذه، إن صحت، ليست «نظرية مؤامرة»، وإنما فرضية استراتيجية تستحق البحث والتدقيق في ضوء الوقائع المتراكمة، لا في ضوء التصريحات وحدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى