حسام السيسي يكتب:تفكيك «النظام العربي» بنية غائبة وخطاب بديل
حين يصبح غياب النظام نفسه أحد مكونات النظام الجديد

بعد أن رصدنا في طرحنا السابق كيف يتحول الفراغ العربي إلى قوة جيوسياسية يستفيد منها الآخرون، يبقى السؤال الأعمق.. هل كان هناك، بالمعنى الاستراتيجي الدقيق، «نظام عربي» حتى يمكن القول إنه يمر الآن بأزمة؟
..
السؤال يبدو لغويًا، لكنه في الحقيقة سؤال يتعلق بجوهر قراءة المنطقة.
فالنظام الإقليمي لا يتشكل بمجرد وجود مجموعة من الدول المتجاورة، ولا بمجرد اشتراكها في لغة وتاريخ وذاكرة سياسية واحدة.
النظام، بالمعنى البنيوي، يحتاج إلى قواعد تحكم العلاقات بين وحداته، ومصالح متشابكة، وآليات لاتخاذ القرار، وترتيبات أمنية، وقدر من التوقع المتبادل يجعل سلوك الأطراف قابلًا للفهم ضمن قواعد مشتركة.
أما إذا كانت الدول تتحرك كل واحدة وفق حساباتها الخاصة، وتبحث عن أمنها خارج محيطها، وتدخل في تحالفات متعارضة، وتستخدم المؤسسات المشتركة عندما تتوافق مصالحها وتغادرها عندما تتعارض معها، فإننا لا نكون أمام نظام مكتمل، وإنما أمام فضاء إقليمي يحمل بعض سمات النظام دون أن يمتلك بنيته الحقيقية.
ومن هنا ربما يكون الخطأ الأول في قراءة اللحظة الراهنة هو الحديث عن «انهيار النظام العربي».
فالأدق ربما أن نقول:
إن ما نشهده هو انكشاف غياب بنية عربية قادرة على إنتاج نظام إقليمي مستقل.
وهذا فرق هائل.
#المصالح: لماذا لم يتحول التشابه إلى تكامل؟
النظم الإقليمية لا تُبنى على المشاعر المشتركة وحدها، وإنما على شبكة مصالح تجعل التعاون أكثر عقلانية من الصراع.
وهنا تظهر واحدة من أكبر المفارقات العربية.
هناك لغة مشتركة، وتاريخ متداخل، وحدود متجاورة، وأسواق ضخمة، وممرات بحرية وبرية متصلة، وموارد طاقة ومياه وغذاء وأمن تتجاوز الحدود الوطنية.
ومع ذلك لم تتحول هذه العناصر إلى شبكة تكامل استراتيجية قادرة على إنتاج كتلة عربية ذات وزن مستقل.
فالتجارة البينية العربية تظل ضئيلة نسبيًا مقارنة بحجم ارتباط معظم الدول العربية اقتصاديًا بالقوى خارج الإقليم، كما أن المنطقة لم تنجح في بناء سوق موحدة أو منظومة إنتاج متكاملة أو بنية تحتية عابرة للحدود تستطيع تحويل الجغرافيا المشتركة إلى قوة اقتصادية مشتركة.
المشكلة هنا ليست في نقص الموارد.
المشكلة في غياب البنية التي تحول الموارد إلى قوة جماعية.
ولهذا أصبحت الدولة العربية في كثير من الأحيان أكثر ارتباطًا بالمراكز الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية خارج الإقليم من ارتباطها بمحيطها العربي.
والنتيجة أن الجغرافيا العربية موجودة، لكن اقتصاد الجغرافيا السياسية العربية لم يتشكل.
وهذه نقطة مركزية لأن الدولة التي تعتمد في أمنها واقتصادها وتكنولوجيتها على الخارج، يصبح هامش قرارها الإقليمي مرتبطًا بدرجة استقلالها عن هذا الخارج.
…
#القرار: مؤسسات موجودة ولكن بلا قدرة على الإلزام
المؤسسة العربية الأبرز، جامعة الدول العربية، تقدم المثال الأكثر وضوحًا على الفارق بين وجود المؤسسة ووجود النظام.
وجود جامعة الدول العربية لا يعني تلقائيًا وجود نظام عربي.
فالجامعة لا تمتلك أدوات تنفيذية تجعل قراراتها فوق الحسابات الوطنية للدول الأعضاء، ولا توجد سلطة عربية مركزية تستطيع فرض التزام جماعي على أعضائها في القضايا المصيرية.
ولهذا ظلت آليات العمل العربي المشترك مرتبطة في جوهرها بدرجة توافق الدول، لا بقواعد مستقلة تستطيع تجاوز إراداتها المنفردة.
وهذا ليس تفصيلًا مؤسسيًا، بل جوهر المسألة؛ لأن النظام الحقيقي لا يحتاج في كل أزمة إلى إعادة التفاوض حول قواعده من الصفر.
أما عندما يصبح كل اختبار كبير مناسبة لاكتشاف حدود التوافق العربي، فإن المؤسسة تتحول من منتج للنظام إلى مرآة لغيابه.
ولهذا يمكن فهم كثير من الأزمات العربية الكبرى ليس باعتبارها لحظات فشل مؤقت للمؤسسات، وإنما باعتبارها لحظات كشفت حدود البنية نفسها.
..
#الأمن: حين تبحث الدول عن الحماية خارج الإقليم
ربما تكون البنية الأمنية أكثر المجالات التي تكشف هشاشة فكرة «النظام العربي».
فالدول العربية لم تنجح في إنشاء منظومة أمن جماعي مستقلة قادرة على إنتاج توازن إقليمي مستدام.
بدلًا من ذلك، نشأت شبكة واسعة من الترتيبات الثنائية والمتعددة مع الولايات المتحدة وروسيا ودول أوروبية وقوى آسيوية، إضافة إلى ترتيبات أمنية إقليمية مختلفة.
وهنا نشأت مفارقة خطيرة: الدول العربية تريد أمنًا إقليميًا، لكنها لا تمتلك منظومة إقليمية تنتجه.
ففي الخليج، لم يتحول التشابه في التهديدات إلى منظومة دفاع جماعي مكتملة. وفي المشرق، أصبح المجال الأمني مفتوحًا أمام تدخلات متعددة. وفي دول أخرى تحولت الحدود الوطنية نفسها إلى مساحات تنافس بين قوى إقليمية ودولية.
وهكذا أصبح الأمن العربي في جانب كبير منه شبكة من الاعتماد المتبادل مع الخارج، لا نظامًا جماعيًا في الداخل.
وهذا يفسر لماذا استطاعت قوى غير عربية، بأحجام مختلفة، أن تنتج نفوذًا يتجاوز أحيانًا نفوذ دول عربية أكثر سكانًا وموارد.
فالفراغ الأمني لا يبقى فراغًا طويلًا؛ من لا ينتج أمنه، سيجد أن آخرين ينتجونه له وفق مصالحهم.
…
#الهوية: من وحدة الخطاب إلى تعدد المشاريع
قد يبدو أن الهوية العربية هي العنصر الأكثر تماسكًا في المنطقة، لكن التدقيق يكشف صورة أكثر تعقيدًا.
فالهوية العربية لم تعد تعمل باعتبارها إطارًا سياسيًا واحدًا قادرًا على إنتاج مشروع مشترك.
الدولة الوطنية رسخت مصالحها ومؤسساتها وجيوشها وبيروقراطياتها، وفي الوقت نفسه ظهرت هويات سياسية ودينية ومذهبية وقومية متداخلة، أصبح كل منها قابلًا للاستخدام في صراعات الشرعية والنفوذ.
بعد 2003 خصوصًا، أصبح التنافس الإقليمي أكثر ارتباطًا بالهويات المذهبية والسياسية، لكن اختزال الصراع في «السني-الشيعي» وحده خطأ.
فالتنافس الأعمق هو تنافس سعودي-إيراني على تعريف الشرعية الإقليمية من جهة، ومشروع تركي له امتداداته الخاصة من جهة أخرى، فوق دولة وطنية لا تريد أن تتنازل عن سيادتها لصالح أي مشروع إقليمي لا تعرف أين سينتهي.
لذلك لم يعد السؤال «ما الهوية العربية؟»، بل: أي هوية سياسية تستطيع إنتاج القوة؟
وهنا تتفوق بعض المشاريع الإقليمية على الخطاب العربي لأنها تمتلك مؤسسات وأدوات ونخبًا وشبكات مصالح تعمل خلف خطابها.
..
#ثلاث_سرعات داخل الفضاء العربي
إذا أسقطنا فكرة الكتلة العربية الواحدة، تظهر المنطقة بصورة مختلفة تمامًا.
يمكن النظر إلى المجال العربي الراهن باعتباره يتحرك بثلاث سرعات رئيسية، مع اختلافات كبيرة داخل كل طبقة.
#أولًا: دول تمتلك مقومات الدولة ومجال الحركة
السعودية ومصر والإمارات، على سبيل المثال، تمتلك كل منها مؤسسات دولة، وجيوشًا نظامية، وموارد، وقدرات دبلوماسية، ومكانة دولية.
لكن جمعها في «كتلة» واحدة مبالغة تحليلية؛ فهذه الدول نفسها تختلف في تعريف مصالحها وأولوياتها وأدواتها وطريقة تعاملها مع القوى الإقليمية والدولية.
هي أقرب إلى مراكز قوة عربية مستقلة منها إلى تحالف عربي متكامل.
وهنا تكمن إحدى مشكلات المرحلة: الدول الأكثر قدرة على التأثير ليست بالضرورة الأكثر استعدادًا للتنازل عن جزء من استقلال قرارها لصالح بنية عربية جماعية.
..
#ثانيًا: دول تقع في مناطق الاختراق
العراق وسوريا ولبنان والأردن، مع اختلاف أوضاع كل منها، تمثل مساحة مختلفة: دول ما زالت موجودة ككيانات، لكنها تعمل في بيئات أمنية شديدة الاختراق.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط «من يحكم؟»، بل: من يستطيع التأثير في القرار؟
فالقوة الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى احتلال الدولة؛ يكفي أحيانًا أن تصبح قادرة على التأثير في قرارها الأمني أو الاقتصادي أو السياسي.
..
#ثالثًا: مناطق تآكل الدولة
في ليبيا واليمن والسودان والصومال، وبدرجات متفاوتة بين كل حالة وأخرى، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا.
هنا تتراجع قدرة الدولة المركزية، وتدخل أطراف مسلحة واقتصادات غير رسمية وشبكات إقليمية ودولية في إنتاج الواقع السياسي، لدرجة أن السلطة نفسها تصبح متعددة المصادر داخل الإقليم الجغرافي الواحد.
لكن وصف هذه الدول بأنها «انتهت» تبسيط أيضًا؛ فالدولة قد تضعف، وقد تتشظى مؤسساتها، لكنها لا تختفي بالضرورة، وتظل قادرة على العودة كفاعل مركزي إذا تغيرت موازين الداخل.
والأهم أن هذه المناطق لا تمثل فقط أزمات داخلية، بل تتحول إلى ممرات استراتيجية تتنافس عليها قوى الإقليم على الطاقة والملاحة والنفوذ الأمني في آن واحد.
من يكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟
الشرق الأوسط الجديد لا يتشكل بالضرورة من خلال مؤتمر دولي يجلس فيه الجميع ويعلنون ولادة نظام جديد.
النظم الإقليمية غالبًا تتشكل تدريجيًا، من خلال تراكم الوقائع: من يسيطر على الممرات، من يملك الردع، من يتحكم في الطاقة، من يستطيع التأثير في الحكومات، من يملك التكنولوجيا والمال، ومن يستطيع إنتاج التحالفات وجعل الآخرين يتكيفون مع قواعده.
وهذا يعني أن النظام القادم قد لا يكون نظامًا بالمعنى التقليدي، بل نظامًا متعدد المراكز، هش القواعد، تتعايش داخله مراكز قوة متنافسة دون وجود مركز واحد قادر على فرض إرادته على الجميع.
وهنا يصبح دخول إيران وتركيا وإسرائيل إلى المعادلة أكثر أهمية؛ فهذه القوى لا تتحرك فقط داخل الشرق الأوسط، بل تشارك، بدرجات مختلفة، في إعادة تعريفه.
الخطر الحقيقي: أن يتحول الفراغ إلى بنية
الفراغ ليس دائمًا حالة مؤقتة.
إذا طال بقاؤه، تبدأ القوى الأخرى في بناء ترتيبات فوقه: شبكات أمنية، وممرات تجارية، وتحالفات عسكرية، وقواعد نفوذ، ومشروعات طاقة، وترتيبات سياسية.
ومع مرور الوقت تتحول هذه الترتيبات من أدوات مؤقتة إلى بنية جديدة، وهنا يصبح استعادة المجال أصعب بكثير.
لذلك فإن السؤال العربي الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف نعيد النظام العربي القديم؟ لأن هذا النظام، إذا استخدمنا المصطلح بدقة، لم يكن مكتملًا أصلًا.
السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع الدول العربية إنتاج بنية إقليمية جديدة قبل أن تنتج القوى الأخرى بنية بديلة فوق الفراغ العربي؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي.
من خطاب الوحدة إلى خطاب القدرة
ربما حان الوقت للتخلي عن بعض اللغة السياسية التي لم تعد تفسر الواقع.
فعبارات مثل «الوحدة العربية» و«التضامن العربي» و«المصير المشترك» قد تكون صحيحة وجدانيًا، لكنها لا تكفي لبناء استراتيجية.
ما تحتاجه المنطقة ليس خطابًا جديدًا عن الوحدة، وإنما بنية جديدة للقدرة، قد تبدأ من ملفات محددة: الأمن الجماعي، الأمن الغذائي والمياه والطاقة، الممرات البحرية، الأمن السيبراني، الربط الاقتصادي وسلاسل الإمداد، والتنسيق السياسي في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح بالفعل.
أي أن البديل الواقعي ليس بالضرورة «دولة عربية واحدة»، ولا حتى اتحادًا سياسيًا شاملًا، بل شبكة مصالح عربية متعددة المستويات تبدأ من حيث توجد المصلحة، لا من حيث ينتهي الخطاب.
فالدول لا تحتاج إلى أن تتفق على كل شيء حتى تتعاون في الأشياء التي تهدد وجودها جميعًا.
لهذا ربما يكون التعبير الأكثر دقة عن اللحظة الراهنة ليس «أزمة النظام العربي»، بل «الشرق الأوسط بعد غياب النظام العربي».
فما نشهده ليس مجرد ضعف في مؤسسة أو تراجع في التنسيق أو اختلاف بين عواصم، بل انتقال من مرحلة كان فيها غياب النظام العربي يمكن إخفاؤه خلف اللغة السياسية، إلى مرحلة أصبح فيها هذا الغياب نفسه عاملًا منتجًا للواقع الإقليمي.
وهنا لا تعود القضية أن تركيا تتوسع، أو إيران تناور، أو إسرائيل تعيد ترتيب بيئتها الأمنية، أو القوى الدولية تبحث عن مصالحها؛ كل ذلك صحيح، لكنه ليس أصل المشكلة.
الأصل أن هذه القوى تتحرك داخل مساحة لم تنتج الدول العربية فيها قواعد مشتركة كافية لحماية مصالحها.
ولذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأراضي والحدود والموارد، بل قبل ذلك على من يملك حق تعريف الشرق الأوسط: من يحدد معنى الأمن، ومن يقرر من هو الفاعل ومن هو الساحة.
لم يعد المطلوب أن ننتظر ظهور «شرق أوسط جديد» ثم نسأل كيف نتعامل معه.
المطلوب أن ندرك أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله الآن، وأن الفراغ الذي لا يُملأ بإرادة أصحابه، سيُملأ بإرادة الآخرين.
لهذا فإن السؤال الاستراتيجي العربي الحقيقي ليس: هل سيبقى النظام العربي؟
بل: هل تستطيع الدول العربية أن تنتقل من كونها وحدات تتكيف مع النظام الذي يصنعه الآخرون، إلى مراكز قوة تشارك في صناعة قواعد النظام القادم؟
فالمستقبل لا ينتظر من يملك الخطاب الأكثر بلاغة المستقبل ينحاز لمن يملك القدرة على تحويل مصالحه إلى قواعد