سمير زين العابدين يكتب :هل يحمي الانغلاق السياسي مصر من عودة الإسلام السياسي؟
بين لافتات "اليوم التالي" وجدران "المقاربة الأمنية":

تشهد الساحة السياسية والإعلامية في مصر حالة من الاستنفار الاستباقي المكثف؛ على خلفية التحضيرات الجارية في هولندا لعقد ما يُسمى مؤتمر “اليوم التالي” (المقرر في الفترة من 17 إلى 19 سبتمبر 2026). هذا الحراك الخارجي، الذي يتشثر وراء لافتات مدنية ومستحدثة مثل “تجمع تكنوقراط مصر” و”حزب أمل”، أعاد فتح ملف الصراع الممتد بين الدولة المصرية وتيار الإسلام السياسي.
اتقدم في هذا المقال بقراءة نقدية تفكك المشهد الراهن، راصداً طبيعة الحراك في هولندا، ومحللاً آليات التعامل الإعلامي والرسمي معه، ليتوقف عند حدود “المقاربة الأمنية” وأهمية البديل السياسي المحصّن لمجتمع يحمل قطاع عريض منه هوية محافظة وسلفية.
أولاً: مشهد هولندا.. الهروب إلى “التكنوقراطية البراجماتية”
يأتي مؤتمر هولندا في توقيت دقيق وحرج بالنسبة لتنظيم الإخوان المسلمين والمعارضة في الخارج. فمع تزايد الضغوط التشريعية داخل البرلمان الهولندي لحظر أنشطة الجماعة وتجفيف منابع تمويلها، لجأ التنظيم إلى “تغيير جلده السياسي”.تمثلت هذه المناورة البراجماتية في تقديم المؤتمر تحت غطاء فني ومدني خالص (“التكنوقراط” و”حزب أمل تحت التأسيس”)، واستدعاء وجوه أكاديمية وإعلامية غير محسوبة تاريخياً على التنظيم العضوي للجماعة.
العنوان المختار، “اليوم التالي”، لم يكن عفوياً؛ بل هو محاولة صريحة لطرح خطط بديلة لإدارة الدولة، وتسويق المعارضة الخارجية لدى العواصم الغربية كـ “بديل ديمقراطي عاقل ومستقل” قادر على قيادة المرحلة في حال حدوث أي تحولات.
ثانياً: رادار الدولة والإعلام.. كشف استباقي ولكن..
من باب الشفافية الكاملة، يُحسب للأجهزة الرسمية والإعلام المقرب من الدولة قدرتهما على رصد وتفكيك هذا المخطط قبل انطلاقه بأسبوعين.
نجح الإعلام التلفزيوني والمنصات البحثية في نزع غطاء الشرعية المدنية عن المؤتمر، وتصدير الرواية المضادة التي تؤكد أن المحرك الأساسي والخفي لهذه المنصات هو تنظيم الإخوان.
بيد أن هذا التعامل، رغم كفاءته الاستخباراتية والمعلوماتية، عابَه المبالغة في تصدير “نبرة الهلع السياسي”.
فالضخ الإعلامي الهائل والهجوم الحاد والمتواصل حوّل فعالية افتراضية في أوروبا إلى “حدث وجودي”، مما منح المنظمين بطريقة غير مباشرة دعاية مجانية وسلط الضوء على أطروحاتهم بشكل أوسع مما كانوا يحلمون به.
ثالثاً: حدود المقاربة الأمنية.. لماذا لا تكفي المواجهة الخشنة؟
تتلخص المخاوف الرسمية في خشية حقيقية من نجاح هذه الواجهات الجديدة في استغلال الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية الراهنة داخل مصر لبث الإحباط والتشكيك في شرعية النظام القائم، أو التأثير على مواقف الشركاء الدوليين.
وهنا يبرز النقد الأساسي للاكتفاء بالحل الأمني:
إن المواجهة الأمنية والقانونية – على ضرورتها لحفظ الاستقرار – هي أداة “تحجيم وتفكيك للتنظيمات”، وليست أداة “قضاء على الأفكار”.إن حظر الجماعات وإغلاق المقار والسيطرة على المنابر لا يعني ذوبان الفكرة؛ بل قد يؤدي إلى تحولها إلى “كمون فكري” أو سلفية حركية غير منظمة تحت الرماد، تتحين الفرصة للظهور عند أي هزة اقتصادية أو سياسية.
رابعاً: البيئة الحاضنة.. الهوية المحافظة للطبقات الشعبية
يصبح الرهان على الأمن وحده مجازفة كبرى عندما نصطدم بالواقع الاجتماعي المصري. فالكتلة الحرجة من الشعب المصري – وتحديداً في الطبقات المتوسطة، والدنيا، والمحافظات – تمتلك تاريخياً وثقافياً هوية ذات وزن سلفي ومحافظ كبير.
هذه الشريحة الواسعة ترى العالم وتتفاعل مع الأزمات عبر منظور ديني قيمي.
في ظل غياب أي بدائل سياقية أخرى، يظل خطاب الإسلام السياسي (حتى وإن تبرقع برداء التكنوقراط) هو القناة الأكثر ألفة وقدرة على جذب وجدان هذه الطبقات عندما تشعر بالضغط الاقتصادي أو التهميش الاجتماعي.
خامساً: المخرج الحقيقي.. فتح المجال السياسي كإستراتيجية تحصين
إن الإستراتيجية الحقيقية والأكثر استدامة لمجابهة فكر الإسلام السياسي لا تبدأ من قاعات المحاكم أو الشاشات الإعلامية، بل تبدأ من تفكيك حالة الانغلاق السياسي المفروضة على الحياة الحزبية والمدنية في الداخل.
صناعة البديل المدني الوطني:
إن بقاء الساحة السياسية خالية من أحزاب قوية (ليبرالية، يسارية، أو تكنوقراطية مستقلة) تعمل تحت مظلة الدستور والدولة، يجعل من تيار الإسلام السياسي “البديل التلقائي الوحيد” في وعي الشارع عند حدوث أي فراغ.
فتح المجال العام يسمح بظهور نخب سياسية شابة تتحدث لغة الاقتصاد والتنمية والقانون، وتسحب البساط النظري من تحت أقدام الخطاب الديني المعارض.
تطوير الحياة السياسية استيعاباً للمجتمع المحافظ:
لا تعني الديمقراطية أو العمل الحزبي صداماً مع الهوية المحافظة للشعب. بل إن فتح المجال السياسي يتيح صياغة أحزاب مدنية ذات مسحة محافظة وطنية (على غرار الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا)، تستوعب النزعة الدينية للمواطن المصري وتوجهها نحو بناء الدولة والعمل التنموي، بدلاً من ترك هذه العاطفة نهباً للتنظيمات المؤدلجة عابرة الحدود.
تنفيس الاحتقان الاجتماعي:
إن توفير قنوات شرعية للتعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار يمثل صمام أمان حقيقي ضد خطط “اليوم التالي” التي تُطبخ في الخارج. فعندما يشعر المواطن أن صوته مسموع وممثل في برلمان حقيقي وحياة سياسية حيوية في الداخل، تسقط تلقائياً شرعية أي منصات خارجية تدعي التحدث باسمه.
خاتمة
مؤتمر هولندا ليس إلا عرضاً لمرض، والمرض الحقيقي ليس في قدرة الإخوان على حشد بضع عشرات في أوروبا، بل في بقاء البيئة السياسية الداخلية معتمدة على المقاربة الأمنية كخيار أوحد.
إن تحصين مصر من عودة تيارات الإسلام السياسي يتطلب شجاعة سياسية تتوازى مع اليقظة الأمنية؛ شجاعة تقود إلى إصلاح سياسي شامل وفتح منظم للمجال العام، يطور الحياة السياسية ويستوعب هوية الشعب، ليصبح الصندوق والبرلمان والأحزاب الوطنية هي خط الدفاع الأول والأخير عن الدولة.