محمد خالد الحسيني يكتب :من وجع الخسارة إلى استعادة المبادرة: الساحل درسٌ وطريقٌ إلى استعادة الجمهورية

ما جرى في الساحل الغربي يستدعي مراجعة عسكرية شاملة، لا معركة جديدة من الاتهامات، فأحداث الساحل لم تكن مجرد تراجع ميداني في واحدة من جبهات الحرب اليمنية، بل كانت اختباراً صعباً للقوى المناهضة للحوثيين، وكشفت في الوقت ذاته عن حقيقة ظلت الحرب اليمنية تؤكدها في كل مرحلة: لا يمكن حسم معركة استعادة الدولة بجبهة منفردة، ولا بقوة عسكرية تعمل خارج إطار استراتيجية وطنية موحدة.
وخلال أسابيع من القتال العنيف، تعرضت مواقع القوات التابعة للمقاومة الوطنية لهجوم واسع على امتداد عدد من محاور الساحل الغربي.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن المقاومة الوطنية، فقد أسفرت المواجهات التي امتدت من التاسع من أغسطس إلى العاشر من سبتمبر عن أكثر من 500 قتيل ونحو 1500 جريح في صفوفها، بينما أعلنت تكبيد الحوثيين أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى.
ومع عدم إمكانية التحقق المستقل من أرقام الخسائر التي تعلنها أطراف الحرب، فإن حجم المواجهات والخسائر المعلنة يعكسان بوضوح شدة المعركة وكلفتها البشرية والعسكرية.
لكن السؤال الذي يتجاوز أرقام الضحايا وخريطة السيطرة هو: ماذا بعد؟
بحسب رواية المقاومة الوطنية، بدأ الهجوم الحوثي بقصف صاروخي مكثف، وهجمات بطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، قبل أن تتوسع المواجهات مع وصول تعزيزات كبيرة إلى محاور القتال الممتدة من حيس والكدحة إلى مقبنة والبرح.
وتقول المقاومة إن الهجوم استند إلى حشد واسع للقوات وكثافة نارية واستغلال للتضاريس والمرتفعات الحاكمة، وإن المواجهات كشفت، بحسب تقديرها، عن إسناد وخبرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحلفائه في المنطقة.
وبعيداً عن التوصيفات السياسية التي تقدمها أطراف الصراع، فإن النتيجة الميدانية كانت واضحة: القوات المدافعة اضطرت، لسبب أو لآخر، إلى إعادة الانتشار والتموضع في خطوط جديدة.
وهنا يجب التمييز بين أمرين، الأول أن فقدان مواقع أو التراجع من خطوط متقدمة يمثل بلا شك خسارة عسكرية، ولا ينبغي التقليل من آثاره.
والثاني أن الخسارة التكتيكية لا تصبح بالضرورة هزيمة استراتيجية، إلا إذا عجز الطرف المتراجع عن إعادة تنظيم قواته واستعادة زمام المبادرة.
وهذا ما ستحدده المرحلة المقبلة، قالت المقاومة الوطنية إن قرار إعادة التموضع اتُخذ للحفاظ على القوة الضاربة ومنع وقوع قواتها في حصار وتدمير شامل.
وقد يكون ذلك قراراً عسكرياً محسوباً، وقد يكون نتيجة لضغط ميداني كبير؛ والحسم في هذه المسألة لا يكون بالبيانات، وإنما بالتحقيق العسكري في تفاصيل المعركة.
وهنا تحديداً ينبغي أن تبدأ المراجعة، فأي تقييم جدي لما جرى يجب أن يبحث في مستوى الاستعداد، ودقة المعلومات الاستخباراتية، وطبيعة التحصينات، والقدرة على حماية خطوط الإمداد، وحجم القوة النارية، ومدى التنسيق بين الوحدات، وسرعة اتخاذ القرار، وكذلك قدرة القيادة على قراءة اتجاه الهجوم قبل تحوله إلى واقع ميداني.
إن تحميل المسؤولية لطرف بعينه قبل اكتمال الحقائق قد يكون مريحاً سياسياً، لكنه لا يقدم حلاً عسكرياً. أما تحديد مكامن الخلل بشجاعة وشفافية، فهو وحده القادر على منع تكرار التجربة.
وربما كانت الرسالة الأهم التي حملتها أحداث الساحل أن الانقسام بين القوى المناهضة للحوثيين لم يعد ترفاً سياسياً يمكن احتماله.
فالحرب الحديثة لا تُدار فقط بعدد المقاتلين والأسلحة، وإنما بالقدرة على جمع المعلومات، وتوحيد القرار، وتنسيق النيران، وإدارة الإمداد، وربط الجبهات ضمن تصور عملياتي واحد.
وإذا كان الحوثيون قادرين على تركيز قواتهم في جبهة بعينها، بينما تنشغل القوى المقابلة بحساباتها السياسية والعسكرية المتفرقة، فإن ميزان المبادرة سيظل مختلاً.
ولهذا فإن حديث المقاومة الوطنية عن ضرورة تكامل الجبهات وتحريكها بصورة متزامنة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تصريحاً عسكرياً عابراً، بل باعتباره درساً من دروس الحرب.
فاستعادة الدولة مشروع وطني، وبالتالي فإن أدوات استعادتها يجب أن تعمل ضمن مشروع وطني واحد.
وكان نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية الفريق أول ركن طارق محمد عبدالله صالح في صدارة المشهد خلال معارك الساحل، وفقاً لما أعلنته المقاومة، لكن المرحلة المقبلة تضع أمامه وأمام قيادة قواته اختباراً مختلفاً.
فالنجاح بعد التراجع لا يقاس بالقدرة على إصدار البيانات، وإنما بالقدرة على إعادة بناء القوة، وترتيب الأولويات، واستيعاب الخلل، وتأمين ما تبقى من خطوط الدفاع، ومنع الحوثيين من تحويل المكسب التكتيكي إلى تفوق استراتيجي دائم.
وفي هذا السياق، يأتي القرار الذي أعلنه الإعلام العسكري في 13 سبتمبر 2026 بشأن تشكيل قوة المقاومة التهامية كقوة مستقلة، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو إعادة ترتيب البنية العسكرية في الساحل.
وبحسب القرار، تُشكَّل قوة المقاومة التهامية من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، ويُعيَّن اللواء زايد منصر قائداً لها، على أن يسري القرار من تاريخ صدوره في 13 سبتمبر 2026.
كما نص القرار على أن تتمتع القوة باستقلالية تامة مالياً وإدارياً وعملياتياً، على أن يحدد نطاق عملها، وأن تتبع العمليات المشتركة للتحالف العربي بشكل مباشر.
وبغض النظر عن تقييم هذه الخطوة، فإن توقيتها يجعلها جزءاً من سياق إعادة التنظيم الذي تفرضه أحداث الساحل.
فالمعركة كشفت الحاجة إلى مراجعة توزيع القوات، وآليات القيادة والسيطرة، وطبيعة التنسيق العملياتي، وكيفية إدارة الجبهة بما يحافظ على القوة ويمنع تكرار الثغرات التي ظهرت خلال المواجهات.
لكن إعادة التنظيم لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها، فالمعيار الحقيقي لأي هيكلة جديدة هو قدرتها على رفع الكفاءة، وتحسين التنسيق، وحماية القوات، واستعادة القدرة على المبادرة.
كما أن المسؤولية لا يمكن أن تقع على قيادة المقاومة الوطنية وحدها، فأحداث الساحل أعادت طرح سؤال أكبر يتعلق بمجلس القيادة الرئاسي والحكومة والقوى العسكرية المختلفة: هل يمكن بناء قيادة عملياتية وطنية حقيقية تتجاوز تعدد التشكيلات وتفاوت الأولويات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن خسارة الساحل يمكن احتواؤها.
أما إذا استمرت كل قوة في العمل وفق حساباتها الخاصة، فإن المشكلة لن تكون في الساحل وحده.
وفي مقابل التطورات على الساحل، برزت مأرب مجدداً باعتبارها واحدة من أهم الجبهات في المعادلة العسكرية اليمنية.
وقد أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة أن الهدف النهائي للقوات المسلحة في مختلف الجبهات هو استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين عليها، مشيراً إلى أن أحداث الساحل لن تغير اتجاه المعركة.
كما تحدث عن وصول عسكريين من المخا إلى مأرب، في خطوة تعكس، على الأقل، إعادة ترتيب لبعض الموارد والقوات بعد التطورات الأخيرة.
لكن نقل القوات وحده لا يصنع انتصاراً،
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن إدارة كل جبهة باعتبارها معركة مستقلة إلى إدارة الحرب باعتبارها مسرح عمليات واحداً.
فإذا استطاعت القوات المناهضة للحوثيين فتح ضغط متزامن على أكثر من محور، فإن قدرة الحوثيين على تركيز قواتهم في جبهة واحدة ستتراجع.
أما استمرار الدفاع المنفصل في كل جبهة، فيمنح الخصم فرصة اختيار المكان والوقت المناسبين للهجوم.
وتكمن خطورة التطورات في الساحل الغربي في أن الجغرافيا هنا ليست محلية فقط، فالساحل اليمني المطل على البحر الأحمر وباب المندب يقع في قلب واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب عسكري واسع في هذه المنطقة لا يظل محصوراً داخل الحدود اليمنية.
ومن الطبيعي أن تراقب دول الإقليم والمجتمع الدولي التطورات في هذه المنطقة بقلق، خصوصاً مع ارتباط أمن باب المندب بحركة التجارة والطاقة الدولية.
لكن التعامل مع هذه المسألة ينبغي أن يبدأ من حقيقة أساسية: أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن استقرار اليمن.
فكلما طال أمد الحرب، وتعددت القوى المسلحة، وضعفت مؤسسات الدولة، أصبحت السواحل والممرات البحرية أكثر عرضة للتوظيف في الصراع الإقليمي.
ومن ثم فإن استعادة الدولة اليمنية وبناء مؤسساتها ليست قضية داخلية فحسب، بل جزء من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
وبينما تنشغل الأطراف بتحديد المواقع والمرتفعات وخطوط التماس، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف. فالمعارك في المناطق الساحلية تعني نزوح الأسر، وتعطيل مصادر الدخل، وتضرر الخدمات، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وقد تحدثت تقارير إنسانية عن موجات نزوح من مناطق القتال، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية أصلاً تحديات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين.
ولهذا فإن أي استراتيجية عسكرية مسؤولة يجب أن تضع حماية المدنيين في صميم حساباتها، لا في هامشها.
كما أن دعوة سلطان العرادة الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين إلى حماية أبنائها من الزج بهم في الجبهات تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر مآسي الحرب اليمنية إيلاماً: استمرار استنزاف جيل من الشباب في حرب يدفع المجتمع كله ثمنها.
ومن أكثر المواقف أهمية في أعقاب أحداث الساحل إعلان المقاومة الوطنية أنها لا تريد الدخول في تخوين الأطراف أو تصفية الحسابات السياسية، وأنها تفضل قراءة الأحداث بموضوعية واستخلاص العبر.
هذه المقاربة ينبغي أن تتحول إلى موقف وطني عام. فاليمن لا يحتاج إلى حرب بيانات تضاف إلى حرب البنادق، ولا يحتاج إلى تحميل كل فشل لطرف سياسي من أجل تبرئة طرف آخر.
ما يحتاجه هو تحقيق عسكري مهني يجيب بوضوح عن الأسئلة الصعبة: كيف بدأ الهجوم؟ كيف تم رصده؟ متى وصلت التعزيزات؟ لماذا تراجعت بعض المواقع؟ هل كانت خطوط الإمداد مؤمنة؟ هل كان التنسيق بين الوحدات كافياً؟ هل كانت هناك ثغرات في القيادة والسيطرة؟ وكيف يمكن منع تكرار ما حدث؟
الإجابة عن هذه الأسئلة أهم بكثير من تبادل الاتهامات.
فالحروب الطويلة لا تُقاس بمعركة واحدة، كما أن الدولة لا تُستعاد بخطاب واحد، وإذا كانت أحداث الساحل الغربي قد مثلت خسارة عسكرية مؤلمة، فإنها لا تعني بالضرورة نهاية المشروع المناهض للحوثيين، لكنها تفرض عليه إعادة النظر في أدواته وأساليبه ودرجة التنسيق بين مكوناته.
فالخسارة تصبح كارثة عندما لا يتعلم منها أصحابها. أما إذا تحولت إلى مراجعة حقيقية، وإعادة تنظيم، وتصحيح للأخطاء، فقد تصبح بداية لمرحلة مختلفة.
وهنا تحديداً تكمن مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية، المطلوب ليس إنكار الخسارة، ولا تضخيمها إلى حد اليأس.
المطلوب الاعتراف بها، وفهم أسبابها، ومعالجة مكامن الضعف، والحفاظ على القوة، ثم البحث عن اللحظة المناسبة لاستعادة المبادرة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تتحول معركة الساحل إلى معركة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فاليمنيون الذين يريدون استعادة دولتهم يحتاجون إلى توحيد البوصلة، لا إلى تعددها.
وقد يكون أهم درس من أحداث الساحل أن المعركة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مزيد من السلاح، وإنما إلى مزيد من التنظيم والتنسيق ووحدة القرار والرؤية السياسية.
وتشكيل قوة المقاومة التهامية، في هذا السياق، ينبغي أن يُقاس بقدرته على الإسهام في هذا الهدف الأوسع: تنظيم القوة، وضبط المسؤوليات، وتحسين الكفاءة العملياتية، وربط الجبهة ضمن رؤية أكثر اتساقاً، لا بمجرد تغيير الهيكل العسكري.
فاستعادة صنعاء هدف معلن لدى قيادة الشرعية، لكن الوصول إلى هذا الهدف يمر عبر بناء قوة قادرة على إدارة الحرب بكفاءة، وعبر توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحويل التشكيلات المتعددة إلى قوة وطنية تعمل وفق قرار واحد.
أما الساحل الغربي، فمهما كانت قسوة ما جرى فيه، فإنه يظل جبهة ضمن حرب أوسع. لقد خسر المدافعون جولة، وربما خسروا مواقع مهمة، لكن الحرب لم تنتهِ.
والفارق بين الهزيمة والنكسة ليس في حجم الخسارة وحده، وإنما في قدرة الطرف الذي خسر على أن ينهض بعدها.
لذلك فإن السؤال الوطني الحقيقي اليوم ليس: من يتحمل مسؤولية خسارة الساحل؟
بل: كيف نحول خسارة الساحل إلى درس يمنع تكرارها، ويعيد بناء القوة، ويوحد الجبهات، ويقرب اليمنيين من هدفهم الأكبر: استعادة الدولة وصنعاء، وإنهاء الانقلاب، وبناء يمن آمن ومستقر؟ تلك هي المعركة التي تستحق أن تُخاض.