جمال محمد غيطاس يكتب :في الزيارة الملغومة: لا مجال لفكرة “شوال الرز” فمعركتنا القدس لا صنعاء ولا طهران ولا الرياض

زيارة ولي العهد السعودي الحالية لوطننا زيارة ملغومة بألغام شتي، تجعل من المتعين التعامل معها بمنطق مصالح الأمة بعيدة المدي، ودورها وثقلها ومسئولياتها، تجاه نفسها وتجاه منطقتها ودينها وعقيدتها ومستقبلها، بعيدا تماما عن فكرة شوال الرز، التي لن تفضي إلا عن صفقة طرفاها أموال سعودية لفك الخنق الاقتصادي المصرى، ودم مصري لفك الخنق السياسي العسكري السعودي الراهن في اليمن.
لا يجب المغامرة بالموافقة على شيء من هذا النوع، لأن مصالح امتنا بعيدة المدي لم تكن ــ منذ أكثر من قرن ــ متسقة ومتوافقة مع المصالح بعيدة المدي لأنظمة الحكم في الخليج، ونشأ هذا التعارض منذ ان قبل حكام الخليج قاطبة بالصفقة الكبرى القائمة مع الأمريكيين رعاة الصهاينة العدو الوجودي الأول والأخير لمصر، وهي الصفقة التي قامت على حماية العروش في مقابل حصة من النفط والنفوذ وضمان امن الكيان البغيض وعدم تعرضه لمواجهة كبري تهدد وجوده، تنفذها مصر المدعومة دعما حقيقيا من اشقائها.
هذه الصفقة لم تتغير حتى اللحظة، حتى وأن بدا في الأفق بعض المشاهد الدالة على التململ، ويشهد على ذلك أسلوب حلب البقرة الذي يتبعه ترامب دون مواربة او حياء، ومن لبنها يمول عدوانه المشترك مع الصهاينة، على غزة ولبنان وسورية وإيران، قبل ان يستدير على مصر وتركيا حسبما صرح علنا الكثير من الصهاينة.
هذا الوضع الذي صنع مفترق طرق تاريخي بعيد المدي بين مصر والخليج، هو ما يجعل الزيارة ملغومة بالعديد من الألغام.
أولها واخطرها الغام زرعها الامريكيون واذنابهم الصهاينة بتحالفاتهم واطماعهم وعنصريتهم وعدوانيتهم التي يمارسونا ضدنا وضد اشقاءنا وضد المنطقة بأسرها شرقا وغربها منذ مطلع القرن الماضي، وكانت السعودية من ابرز حقولها.
ومن ينزع الزيارة عن سياقها وامتدادها التاريخي الذي ترسخ عبر التحالفات الاستراتيجية بعيدة المدي بين آل سعود والأمريكيين رعاة الصهاينة اعدائنا الحقيقيين، يكون قد تغاضي عن أول لغم من ألغام هذه الزيارة، لغم يتجسد في أن التفاوض ليس مع طرف متحرر من تحالفات عميقة وثيقة مع عدونا الأساسي الحقيقي، سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة.
ثاني ألغامها هو ارتباطها الوثيق الواضح للعيان بالصراع الإقليمي الدولي الدائر بغرض السطو على الثروات الطبيعية بالمنطقة، والسيطرة على ممرات التجارة الدولية فائقة الأهمية بخليج هرمز وباب المندب، وهو صراع اشعله ويغذيه الامريكيون والصهاينة، وشاءت الظروف ان تكون ايران رأس الحربة الأساسي والأكثر تأثيرا وتأثرا بفعالياته وامتداداته، تارة بدفاعها عن وجودها المهدد علنا، وتارة بعلاقاتها الملتبسة بجيرانها وحلفائها ووكلائها، والتي زاد من تعقيدها التحالفات بعيدة المدي بين النظم الحاكمة في الخليج والامريكيين والصهاينة الذين يشنون حربا تستهدف وجود ايران نفسه.
ثالث الغامها الطموحات المنفلتة، والسياسات غير الموفقة، التي اتبعتها السعودية تجاه اليمن منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود، والتي نجم عنها سلسلة متتابعة الحلقات من جولات القتال المباشر وغير المباشر، جميعها لم يفض الي تحقيق أحلام آل سعود في صناعة يمن على مقاس السعودية، اليف حليف خاضع خضوع المحمية، نقيا من أي شائبة تحالف خارجي، سواء كان إيراني او غيره، وهو أمر لم يتحقق، وعلى العكس تحول الي لغم انفجر بعضه في وجه ولي العهد السعودي هذا الأسبوع، والبعض الآخر المتبقي سيأتى معه الي القاهرة.
لذلك فأي صفقة قائمة علي فكرة شوال الرز مرفوضة تماما، لأنها صفقة لا تليق ولا تناسب الأمة المصرية وجيشها، وستكون صفقة غير مباركة بالمرة، قائمة علي مبادلة الدم بالمال، وأمتنا ليست للبيع مهما كانت ازماتها الاقتصادية خانقة، وليست تجمعا بشريا من المرتزقة، وجيشها ليس مجموعات من المليشيا، بل هي أمة ذكرها الخالق في قرآنه بأكثر مما ذكر اطهر بقاع ارضه المكرمة، وخصها بما لم يخص به غيرها، حينما تجلى فقط على قطعة مباركة من ارضها، ولن نتحدث عن أمتنا التي صنعت فجر الضمير الإنساني بقيمه العليا وصدرته للعالم بأسره، ولن نتحدث عن ما فعله شعبها وجيشها من أداء، قام دوما على النبل والشرف، بعيدا عن الانتهازية وصفقات جوهرها المال المهدور والدم المراق.
ليس من بين معارك شعبنا وجيشنا معركة قامت على صفقة من هذا النوع الانتهازي، لذا فنحن أمام أمر يخص الأمة، ويتجاوز أداء الدولة وأداء السلطة وأداء الجيش وأداء الرئيس، ويجعل من الخطأ البالغ الانطلاق من فكرة شوال الرز الى الانزلاق في هذا الصراع، ولو برباط حذاء أصغر جندي في جيشنا، ولا أقول روحه او جسده او سلاحه، وفوق ذلك وقبله وبعده معركتنا الحقيقية في القدس وليس صنعاء او طهران او الرياض، وهذا قدر امتنا ودورها ومقامها الرفيع. عرض أقل