محمد خالد الحسيني يكتب:من الرياض والقاهرة إلى مجلس الأمن: تحشيد عربي وإسلامي ودولي.. هل يقود إلى مواجهة استراتيجية في اليمن؟

لم يعد المشهد اليمني يتحرك داخل حدوده المحلية، كما لم يعد التصعيد في البحر الأحمر مجرد تطور عسكري عابر يمكن فصله عن التحولات الإقليمية.
فمن الرياض والقاهرة إلى مجلس الأمن، تتسع دائرة التحرك السياسي والدبلوماسي، وتتقاطع الحسابات العربية والإسلامية والدولية حول اليمن وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد المتراكم إلى تغيير حقيقي في قواعد الاشتباك.
استهداف المملكة العربية السعودية، وما يرتبط به من حساسية تتصل بالمقدسات، بالتزامن مع تهديد الملاحة في البحر الأحمر، نقل الأزمة إلى مساحة تتجاوز الجغرافيا اليمنية.
فالمعادلة باتت تمس أمن المملكة والخليج والبحر الأحمر وباب المندب، وصولاً إلى قناة السويس التي تمثل شرياناً حيوياً للتجارة بين آسيا وأوروبا.
ومن هنا تبرز أهمية زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر في هذا التوقيت، في ظل تأكيد مصري أن أمن المملكة يرتبط بأمن مصر والأمن القومي العربي.
وهي رسالة تتجاوز العلاقات الثنائية لتؤكد أن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفاً منفصلاً عن أمن المنطقة.
السعودية تبدو وكأنها تتحرك عبر ثلاثة مسارات متوازية: عربي، من خلال رفع مستوى التنسيق مع مصر؛ وإسلامي، من خلال استدعاء قضية المقدسات وما تمثله من حساسية؛ ودولي، عبر الدفع بالملف نحو مجلس الأمن والمجتمع الدولي.
ثلاثة مسارات تلتقي عند هدف واحد: رفع مستوى الضغط، وتوسيع دائرة الحلفاء، وإعادة تعريف ما يجري باعتباره تهديداً يتجاوز حدود المواجهة اليمنية الداخلية.
وهنا يبرز السؤال: هل ابتلع الحوثيون لقمة أكبر من قدرتهم على ابتلاعها؟ فالاستهداف العسكري للمملكة يختلف في حساباته عن استدعاء ملف مكة والمقدسات.
وإذا ارتبط التصعيد بالمقدسات، فإن الصراع يدخل مساحة شديدة الحساسية تستدعي البعد الإسلامي إلى جانب البعدين العربي والإقليمي، وترفع سقف ردود الفعل المحتملة.
وفي المقابل، فإن تهديد الملاحة يفتح باباً آخر للتصعيد، فأي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر وباب المندب ستكون له انعكاسات على التجارة الدولية ودول المنطقة، وعلى مصر بصورة خاصة، بسبب ارتباط ذلك بأمن قناة السويس ومكانتها الاقتصادية والاستراتيجية.
لكن الموقف المصري لا يعني بالضرورة أن القاهرة ذاهبة إلى حرب مباشرة إلى جانب السعودية؛ فهناك فارق بين رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني وبين الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
وفي الوقت نفسه، تبدو الرياض حريصة على توسيع هامش حركتها، فهي تتحرك مع واشنطن، وتوسع تنسيقها مع القاهرة، وتستنهض البعدين العربي والإسلامي، وتدفع بالملف إلى مجلس الأمن.
وقد لا يكون ذلك خلافاً مع الولايات المتحدة بقدر ما هو محاولة لبناء خيارات متعددة في لحظة شديدة التعقيد.
وسط كل هذه التحركات، يبقى السؤال الأهم: أين يقف اليمن؟ وهل لا تزال القضية اليمنية بيد اليمنيين؟
ربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر. فكلما اتسعت دائرة الأطراف المتحركة حول اليمن، تراجع حضور الداخل اليمني في صناعة القرار.
مجلس الأمن يتحرك، والعواصم الإقليمية تتحرك، والقوى الدولية تراقب الملاحة، فيما يبقى اليمن عاجزاً عن إنتاج صيغة وطنية جامعة قادرة على التعامل مع هذه المتغيرات من موقع الدولة صاحبة القرار.
المشكلة ليست فقط في تدخل الآخرين، وإنما أيضاً في غياب مشروع وطني يمني قادر على مواجهة هذا التدخل.
فامتلاك رؤية وطنية مشتركة وقرار جامع كان سيجعل الآخرين يتعاملون مع اليمن باعتباره صاحب قضية وسيادة، لا مجرد ساحة تتصارع فيها المصالح.
إن ما يحدث في البحر الأحمر ليس منفصلاً عن أزمة الدولة اليمنية، كما أن أزمة الدولة اليمنية لم تعد منفصلة عن أمن المنطقة.
فالموقع الجغرافي لليمن يمكن أن يكون مصدر قوة إذا امتلك اليمنيون قرارهم، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف إذا ظل البلد ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين.
ولهذا فإن السؤال اليوم لم يعد فقط: هل ستندلع حرب سعودية شاملة مع الحوثيين؟ بل الأهم: هل ما يجري مقدمة لحرب استراتيجية واسعة، أم محاولة لرفع سقف الضغط لإجبار الحوثيين على إعادة حساباتهم والعودة إلى مسار تفاوضي جديد؟
المؤشرات لا تمنح إجابة نهائية، فمن جهة، هناك تصعيد في الخطاب، وتحركات إقليمية، واستنفار دولي، وتهديد للملاحة، وتحرك سعودي مصري متزايد.
ومن جهة أخرى، لا تزال الدبلوماسية حاضرة، بما يعني أن باب التسوية لم يغلق بعد، لكن وجود الدبلوماسية لا يعني غياب التصعيد؛ فنحن أمام دبلوماسية تتحرك تحت ضغط التصعيد وتحاول منع انتقاله إلى مرحلة يصعب احتواؤها.
حتى الآن، لا تبدو البوصلة متجهة بصورة نهائية إلى الحرب، كما أنها لم تستقر على الدبلوماسية، لكن المؤكد أن التطورات لا تنبئ بالهدوء، بل بمسار تصاعدي، وأن كل يوم يمر دون معالجة سياسية حقيقية يزيد من تعقيد المعادلة.
ويبقى السؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة: هل يكون التصعيد وسيلة للعودة إلى الدبلوماسية بشروط جديدة، أم أن التصعيد نفسه سيتحول إلى مسار يقود إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة؟