رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : عن المعارك والملوك والفيلة

ماذا حلّ بشعراء العصافير والفراشات والغراميات الصناعية التي هي استغاثة خواء لان الحب الحقيقي يعاش كالموت والحداد والفرح بسرية وصمت بلا غوغأة وطلب نجدة؟
وشعراء عشاق الاطفال والحقول والنساء وزهور البراري في هذه المذبحة المفتوحة من المحرقة العربية المستمرة علناً حيث الشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني والفلسطيني يذبح ويسرق ويدمر علنا؟
السبب بكل بساطة وعن معرفة ان كثيراً من الادباء والكتاب العرب يكتبون في صحف خليجية أو ممولة منها ويتبعون سياساتها لكي لا يحرمون من المكافآت الشهرية وطبع الكتب مجاناً والدعوات والزيارات والهدايا والجوائز.
اذا عثرتم على روائي عربي مشهور او ناقد مثلا ينتقد السفاح الجولاني أو يتعرض لنقد نظام خليجي في اشعال حرائق في دول عربية، دلوني عليه حتى الروائي واسيني الاعرج صمت عن المجزرة السورية واليمنية والعراقية واللبنانية للاسباب نفسها. هناك من يحلم بنوبل ولا يريد” لطخة” في تاريخه ومشغول بظلم الاقليات كما لو ان العربي المسلم يعيش في فردوس لأن الحديث عن ظلم الاقليات من شروط الفوز الضمنية بالجوائز الادبية.
أين ذهب هؤلاء الذين تغنوا سنوات وصدعوا رؤوسنا بحمامات هانوي وعصافير الكرملين وسنونوات مدريد وحمامات بكين؟ ماذا جرى للأشاعرة الذين جعلونا نشعر أن ساحة السلام السماوي في بكين أفضل وأرقى من ساحة أم البروم أو ساحة التحرير؟.
والساحة الحمراء في موسكو أكثر قداسة من ساحة الحبوبي في الناصرية،
وحمام هافانا في كوبا أجمل من حمام الكاظم الذي لا يعرف الطائفية حيث ياكل في ضريح الشيخ ” أبو حنيفة” وينام في ضريح الامام الكاظم؟
في غزة كما في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء ساحات وعصافير وفراشات وطيور ومدن وجياد وأشجار تُقتل وتحرق في وضح النهار تستحق الغزل والعشق والتضحية.
ماذا ينقص العصفور العراقي والسوري واللبناني واليمني المسكين المطارد مثلنا من حائط الى أسلاك كهرباء، من جمال وأناقة لكي لا نتغزل به ونغضب لمقتله، وهو عاش معنا كل سنوات الضيم والمطاردة حتى تعلم النصب والاحتيال ويتظاهر بالموت عند القبض عليه سنوات الحصار ثم يفر حالاً؟
البلد الذي شيطن براءة العصفور وجعله يستدير من فوق اسلاك الكهرباء مع المار في الشارع لان اي غفلة يتجندل كخرقة بمصيدة وهو يعرف نوعية البشر تحته، هذا البلد في الطريق الى هاوية. في ساحات مدن العالم تاتي العصافير لتحط على اليد والكتف لان العصفور يعرف كيف يثق بالحياة والانسان وإلا لما بنى عشاً بتعبير غاستون باشلار، إلا العصفور العراقي في حالة يقظة دائمة وتأهب ومراقبة من فوق الاشجار والاسلاك ولم تخدعه قصائد الغزل بحبه وجماله يوماً لأنه يعرف انها للتمشدق.
صحيح العصفور العربي غير مؤدلج كببغاء في قفص، ويذرق بعدالة وبراءة على رؤوس السكارى والمصلين، على المشيعين والراقصين،على القتلة والضحايا، لأنه لا يعرف العرق والعنصرية والشر والطائفية والعشيرة، لكن ما الذي ينقصه مع الجواد العربي وأشجار الزيتون وهي تحرق لكي يكون في جملة شعرية أو أدبية؟
كم عدد القصائد والروايات الغربية عن حرب فيتنام وافغانستان وكوريا والعراق من أدباء أمريكا؟ وكم عدد اللوحات والروايات والقصائد عن هيروشيما وناكزاكي؟ وكم عدد الروايات والكتب عن الحرب الاهلية الاسبانية ــــ أندريه مالرو الفرنسي كتب رواية: الأمل، وجورج أورويل كتب رواية: الحنين الى كتالونيا عن الحرب الاسبانية أيضا، وكتبت مارغريت ميتشل” ذهب مع الريح” عن الحرب الاهلية الامريكية وكتب الروائي الامريكي نيلسون ديميل رواية” أعالي البلاد” في تعرية لحرب فيتنام التي شارك فيها؟
طيب والصقر العربي لماذا لا نجده في نص شعري أو روائي لا حضور له؟
ماذا ينقص الصقر لكي يهمل، وهو ينقض على الفريسة كما أنقضت السلطة على المال العام، وكما انقض بعض الشعراء المنتحلين على قصائد ريتسوس اليوناني وعلى قصائد خايمي سابينس المكسيكي اللبناني الاصل وحولوها الى غزل لكل نطيحة ومتردية للابهار والاطراء ومهجورة من نفسها لا تفرق بين الشعر والشعير وبين حرف الألف وعصا المكنسة ولا بين أوزان البصل وبين أوزان الشعر ولا بين إيقاع الطبل ولا بين الإيقاع الشعري ولا بين موسيقى الشعر ولا بين جرس بائع النفط؟
الصقر العربي سريع الطيران مثل الدخل القومي، ومحلق في الفضاء مثل أي عضو برلماني محلق بالمال. ماذا ينقص الجواد العربي القتيل مثلنا يوم تركناه ينزف وحيدا بين الغزاة وبين الطغاة وبين الزناة؟
هل هي عقدة الشعور بالدونية أمام الاسماء الأجنبية؟ أم أن المذابح العربية المفتوحة لا تصلح كموضوع للفن والأدب؟
ظاهرة جديدة قد لا تلفت الانتباه نظرا للدوامة في ان بعض النصوص والمقالات التي تكتب على صفحات التواصل أكثر قذارة من التقارير الأمنية والحزبية وعبارة عن وشايات لكن بقشرة ثقافية باهتة متعفنة يعرفها المحترفون. للانصاف ان بعض الكتاب في النظام السابق كانوا يستنكفون من هذه العادة في الكتابة ضد زملاء واصدقاء لهم كمعارضين للنظام من باب احترام النفس بل كان بعضهم عونا لنا في ايصال المال والرسائل الى الاهل وتلك مغامرة تكلف حياة.
هذا الصنف عندما يتحدث عن الكتب والادباء يتحدث بقراءاته بلغة خاصة مثقفة لكنها ليست لغته بل مستعارة من قراءاته للابهار، لكن عندما يتكلم عن وجهة نظره في الادب والثقافة تجد نفسك أمام لغة متحذلقة ومتقعرة صبيانية.
ماذا ينقص حمام الامام الكاظم من جمال وحكمة يوم كان الجنون والقتل الأبله تقليدا وطنياً، في حين كان هو يحلق فوق رؤوس الحمقى من منائر
الإمام الكاظم في السماء الزرقاء لينام في ضريح الشيخ ابو حنيفة أو العكس لأنه لا يعرف العرق والعاهة والحقد والشر؟
أين النخبة الثقافية وهذا الشعب يذبح بكل أنواع الحيل وكل أنواع الخداع والتضليل والقنابل والتجويع والامراض والعطش والوعود والامراض والغبار الاحمر وتغيير الطقس وتحويل العراق الى جحيم غير محتمل؟
في كل التاريخ البشري هناك صراع وطلاق بين السلطة السياسية والاجتماعية وبين السلطة الثقافية والحداثة الغربية تأسست على الصراع لا على التطابق والتماثل وحتى معارضة النظم العربية تستعمل لغة السلطة في التجريم والثأر والوعيد بدل برامج تنمية كما حدث في العراق لأن المعارضة ولدت من رحم النظام وقلدت اساليبه كعادة الضحية في التماهي مع جلادها للتعويض عن ذل معتق او اعجاب خفي او عن حقد وخوف وتنسى من هي ولم تولد من رحم فكر مختلف حديث يؤسس لدولة مدنية عادلة وحرية حقيقية وليست حرية الصراخ بلا استجابة.
مرة طرحت هذا السؤال: ” أين النخبة من هذه المذابح؟”
في حوار مفتوح وكان جواب سيدة رصينة سريعاً وملهما:
” نخبة؟ هذه كلمة كبيرة”وأضافت:
” أنت تكتب وصايا الى الموتى”.
ـــــــــــــ “حدثهم عن المعارك وعن الملوك وعن الفيلة” عنوان رواية الروائي الفرنسي العبقري ماتياس إينار الذي يتحدث العربية بطلاقة وكذلك الفارسية والحاصل على جائزة غونكور عن روايته” البوصلة”. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى