
لا تبدأ الحرب في اليمن حين تنطلق الرصاصة، ولا تنتهي حين يصمت المدفع .. هناك حرب تُرى في الجبهات والجبال والطرقات ومواقع السيطرة، وحرب أخرى أكثر هدوءاً وأشد قسوة، يعيشها الناس كل يوم في بيوتهم وأسواقهم ومدارسهم ومستشفياتهم.
ولهذا يدفع اليمنيون ثمن الحرب مرتين: مرة على الأرض، ومرة في حياتهم، ما يجري اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، فالمواجهات تتسع في تعز ولحج والساحل الغربي، وتستعيد المناطق القريبة من باب المندب أهميتها العسكرية والإقليمية، فيما تتداخل التطورات الميدانية مع الهجمات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية والتحركات السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد.
لكن خلف كل موقع عسكري تتغير السيطرة عليه، هناك حياة بشرية تتغير أيضاً، فحين تتحدث التقارير عن نزوح أكثر من مئة ألف شخص خلال فترة قصيرة، لا ينبغي أن نرى رقماً مجرداً، بل أسرًا غادرت منازلها على عجل، وأطفالاً تركوا مدارسهم، وآباءً فقدوا أعمالهم، ومرضى أصبح الوصول إلى العلاج بالنسبة إليهم أكثر صعوبة.
النازح لا يحمل معه منزله ولا أرضه ولا مصدر رزقه؛ يحمل فقط ما استطاع إنقاذه، ويبدأ رحلة جديدة في مكان يعاني هو الآخر من الفقر وشح الخدمات.
وهنا لا تنتهي الحرب عندما يبتعد الإنسان عن صوت المدافع، فقد تتوقف المعركة في منطقة، لكن آثارها تلاحق الأسرة في الغذاء والدواء والعمل والتعليم.
الاقتصاد اليمني يدخل هذه الجولة وهو مثقل أصلاً بسنوات الحرب وتوقف صادرات النفط والانقسام النقدي وتراجع الإيرادات ونقص التمويل الإنساني.
وكل اضطراب جديد يعني أسعاراً أعلى، ودخلاً أقل، وقدرة أضعف على الاحتمال، القصف له صوت، أما الفقر فلا صوت له.
وانهيار العملة لا يُسمع، وتأخر الراتب لا يُسمع، وترك طفل للمدرسة لا يُسمع، لكن هذه كلها وجوه أخرى للحرب.
والأطفال ربما يدفعون الثمن الأكبر، فالطفل الذي ينقطع عن التعليم اليوم قد لا يجد طريق العودة غداً، والذي يعيش سنوات من النزوح قد يكبر وهو لا يعرف معنى الاستقرار، والذي يعاني الجوع أو المرض قد يحمل آثار ذلك معه لسنوات طويلة.
وهكذا لا تقتل الحرب الحاضر فقط، بل تستهلك جزءاً من المستقبل أيضاً، حتى المستشفى لا يحتاج إلى أن يتعرض للقصف كي يصبح ضحية للحرب.
يكفي أن ينقطع الوقود أو الكهرباء أو المياه، أو أن يصبح الطريق إليه خطراً، حتى يتحول الوصول إلى العلاج إلى معركة بحد ذاته.
مريض ينتظر دواءه، امرأة تحتاج إلى ولادة آمنة، طفل يحتاج إلى علاج، ومصاب يحتاج إلى إسعاف عاجل؛ جميعهم يدفعون ثمن الحرب، حتى من دون أن يكونوا طرفاً فيها.
ومع اقتراب القتال من باب المندب، تتجاوز الأزمة حدودها اليمنية أكثر فأكثر، فالمضيق ليس مجرد جبهة عسكرية، بل ممر بحري دولي شديد الأهمية، وأي اضطراب مستمر فيه يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية ودولية أوسع.
لكن المفارقة أن ارتفاع الأهمية الاستراتيجية للمكان لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الأمان لسكانه؛ فقد يحدث العكس تماماً، في نهاية المطاف، قد تتغير الخرائط العسكرية، وقد يتقدم طرف ويتراجع آخر، وقد تعود الأطراف إلى طاولة التفاوض.
لكن المواطن اليمني لا يقيس الحرب بعدد المواقع التي تغيرت، بل بعدد الأيام التي عاشها خائفاً، وبعدد المرات التي اضطر فيها إلى النزوح، وبقدرته على إطعام أسرته وإرسال أطفاله إلى المدرسة والوصول إلى المستشفى.
لهذا، فإن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل: كم من اليمنيين ما زال قادراً على البقاء فوق هذه الأرض بسلام؟ فيمكن إعادة بناء منزل تهدم، وإصلاح طريق، وإعادة تشغيل محطة كهرباء، لكن السنوات التي يفقدها طفل من التعليم لا تُستعاد بسهولة، والأسرة التي تفقد أحد أفرادها لا يعيدها اتفاق سياسي، والاقتصاد الذي ينهار يحتاج إلى سنوات كي يستعيد عافيته.
الحرب قد تعيد رسم الخريطة، لكنها في الوقت نفسه تعيد رسم حياة الناس على نحو أكثر قسوة .. وفي اليمن، هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط أخبار الجبهات: اليمن لا يدفع ثمن الحرب مرة واحدة .. بل يدفعه مرتين.