
وضبط السلطة الاجتماعية وخلق نظام متاهة مغلق وترك الجميع، سلطة ومعارضة، يدورون كثيران النواعير حول المكان نفسه بلا نتيجة؟
لن نصل الى نتيجة اذا كان البحث عن المشكلة يجري من داخلها،
بقوانين اللعبة نفسها في حين الحل الحقيقي من خارج المتاهة.
من يعتقد ان مؤسسات السلطة العليا كالرئاسة والحكومة
والبرلمان هي تكوينات محلية، عليه العودة الى وثيقة التوجهات السرية الأمريكية وهي الخطة الاستراتيجية المعمول بها
منذ سنوات وحتى اليوم رغم أننا لا نقرأ الوثائق المتعلقة بمصيرنا
وفي حالة غرام مزمن بالخطاب السياسي الانشائي المدرسي
والتعليق على نشرات الاخبار وترك الاسس العميقة.
الولايات المتحدة لم تستطع يوما أن تحكم شعباً، لكنها تحكم حكامه ومن خلالهم تستطيع السيطرة.
مع ان الوثيقة تشمل كيفية التعامل الأمريكي مع أوروبا وروسيا والصين في المستقبل، لكنها تشير بوضوح الى كيفية التعامل مع دول آسيا والشرق الأوسط، ويهمنا هنا رؤية الوثيقة للتصور الأمريكي في حال نصاً:
” حدوث تغيير وقائي في الدكتاتوريات وتحويلها الى أنظمة مقبولة
أو موجهة أو مضبوطة”،
بعد اسقاطها بحجة اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان كما ورد نصاً،
وعلينا فحص هذه المفاهيم بدقة وعمق خلف السطح الظاهر.
في حال حصول ذلك” التحول” في النظم الدكتاتورية، عن طريق الانقلابات أو الحرب، فيجب” تكوين آليات دستورية تقتصر ممارسة الديمقراطية على النخبة الحاكمة”. تقول الوثيقة.
ديمقراطية النخبة تعني النخبة المعزولة عن المجتمع ومرفهة خارج البؤس العام كما هي ديمقراطية نخبة العزل في المنطقة الخضراء
تسمى “الديمقراطية منخفضة الحدة” وليست ديمقراطية الجمهور العام.
الوثيقة كُتبت قبل الاحتلال بسنوات، لكنها خطة عمل استراتيجية جاهزة ومن تطبيقاتها حول” ديمقراطية النخبة الحاكمة”، تأسيس ” المنطقة الخضراء” وممارسة ” الديمقراطية” المنخفضة الحدة للنخبة الحاكمة بعد عزلها عن الجمهور العام،
مع مؤسسة برلمانية مرفهة وشكلية بامتيازات مفرطة لكي يرتبط وجودها بوجود النظام السياسي نفسه، تمارس طقساً استعراضياً عن الديمقراطية للتغطية في قضايا هامشية وفي جلسات مفتوحة للخداع في حين لا تناقش القضايا المصيرية.
هذا يتطلب، حسب الوثيقة بوضوح، ” إضعاف المنظمات والحركات الشعبية والنقابية واليسارية” لكن كيف يتم هذا الاضعاف؟ تقول الوثيقة:
” يتم اضعاف تأثير العناصر الثورية و”أصحاب الرؤوس الحارة” من مثقفين ويساريين ونقابيين وأمثالهم بشكل مدروس عن طريق العنف المباشر الذي
تمارسه القوة الثالثة ـــ السي آي أيه ــــ مع الانكار النظري المقبول”.
لا يحتاج النص الوقح الى تفسير، أي اغتيال أصحاب “الرؤوس الحارة”
وهو وصف الوثيقة نفسها، ثم الانكار المختزل ونحن نعرف تطبيقات هذا النص على عناصر وطنية كثيرة والقاء الجريمة على منظمة ارهابية إما مخترقة أو مصنّعة وتم تصفية علماء وأطباء ومثقفين وزعماء دينيين رافضين.
إما من يسلم من القتل الجسدي لسبب ما من ” أصحاب الرؤوس الحارة “،
فتتولى عناصر محلية مشتراة من الحثالات والانتهازيين عملية القتل الاخلاقي والتشهير والتركيز في حرق السمعة من خلال معارات شرقية تتعلق
بالشرف والسوّية وهذه تمشي وتسوّق، أي القتل المعنوي، في مجتمع لا يفحص ولا يسأل ولا يبحث عن دليل ولا شاهد نفي ولا إثبات ولا دفاع المتهم ولا قاعة ولا شهود ولا قرار،
وبلا مؤسسات قانونية رصينة ومستقلة وبلا حس حقوقي بدائي وفطري،
بل خفة عقلية سائدة بين الغوغاء وذهنية الوصم الفوري،
مع ممارسة سياسات العزل والاقصاء والتهميش للدفع بالرافضين
للاندماج مع النظام او المحو الجسدي أو الأخلاقي وبعد سنوات من الاحتلال ظهر ان هذه الافعال الدنيئة في التشهير بالرافضين تصدر من مكتب متخصص يضم عشرات العراقيين ممن شاركوا فيما بعد في النظام السياسي عندما انشق أحد هؤلاء العملاء وبدأ يكتب يوميات عن تلك اللجنة الاجرامية.
من جانب اخر تم قص اذرع المجتمع الضاربة كالنقابات ومنظمات الطلاب والشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني التي تحرك المجتمع وخلق منظمات بديلة مرتهنة ومدعومة بعناوين مزيفة كالديمقراطية وحقوق الانسان.
كل هذه الادارة للبلد شرط ألا يظهر الدور الأمريكي في الواجهة من أجل منح الحاكمين الجدد( الهيبة أمام شعبهم) حرفياً،أي سياسة تحريك الدمى عبر ستار. لكن كيف سيكون شكل الهيئات القيادية الأخرى التي تشكل ما يعرف بالنظام السياسي كالرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء، أي السلطات الثلاث؟
تقول الوثيقة إن ذلك يتم:” من خلال دمج المؤسسات القيادية والدستورية
في ما بينها”،
مع أن كل نظم العالم الديمقراطية تقوم على فصل السلطات لكن ” الدمج” في حالة العراق للتحكم بالجميع،
اي تكوين سلطة المتاهة وتشابك وتداخل وتراكم الصلاحيات بين قوى متعادية ومتناقضة للتحكم بها من خلف ستار، وبمعنى أوضح توزيع السلطة على أطراف يستحيل الحصول بينها على اجماع وطني في القضايا المصيرية كالاحتلال والثروة والنفط والقرار السياسي والسيادة الوطنية ونوع النظام السياسي مع ترك الهوامش للجماعات الحاكمة أمام الجمهور.
تم ذلك ” التوزيع” فعلاً للتحكم الخفي بمراكز القرار، والتحكم أيضاً:
” بالواقع الاجتماعي مع أقل استخدام ممكن
للإكراه القسري” كما ورد حرفياً.
وهو ما تم أيضاً اذ جرى التحكم بــ” الواقع الاجتماعي” من خلال النخبة الحاكمة، أي التحكم بالسلطتين: السياسية والاجتماعية،
وكل ذلك مر من خلال تشريعات كالدستور والقانون لجمت الواقع وأي حركة للتغيير.
بتاريخ 15/ 2/ 2003 وقبل الغزو بشهر كتبنا مقالاً في مواقع كثيرة موجود حتى اليوم بعنوان صريح تعليقاً على هذه الوثيقة وتخيل شكل النظام القادم يوم كانت السلطة قائمة: ” انطلاق وحش وقبيلة مركبة”.
في المقال الذي كتب تحت ضغط الاحداث، حاولنا رسم المعالم العامة للنظام السياسي الجديد، وتوقعنا عودة كاسحة للقبلية نظراً لتقارير موثوقة نشرت في ذلك الوقت عن فتح سجلات القبائل العراقية من قبل بريطانيا الخبيرة بتاريخ العراق عكس الولايات المتحدة التي تلجأ للقوة الغاشمة،
فليس هناك أكثر من التكوينات القبلية رفضاً للتغيير رغم ركوبها الموجة .
بتحالف القبائل مع رجال الدين، كما حدث،مع دعم القبلية كان النظام اليوم،، سيتكون من خلطة من رجال الدين وعناصر من النظام القديم غير معروفة بجرائم مع مقاولين جدد سيتم انتاجهم من الحفاة كجسر للأسواق الحرة، رعاة إبل ومهربي سجائر واصحاب اسطبلات خيل ومن الحثالات والخ،
مع اقصاء لاصحاب” الرؤوس الحارة” من مثقفين ونقابيين ويساريين ساخطين يرفضون الاحتلال أو الاندماج، وهؤلاء سيتم التعامل معهم
بطريقتين:
أولا: الدمج والاحتواء والاغراء، و ثانيا: الاغتيال الجسدي او الاخلاقي مع الانكار المختزل.
الواقع كائن حي يمكن تحريكه أو اغتياله ويمر بمراحل ولادة وفتوة وشيخوخة وهرم ومرض وموت وكل مرحلة لها صفات خاصة .
لماذا تم تكوين النظام السياسي من تلك المكونات كما خطط الانكليز؟
لأن شيوخ القبائل ورجال الدين وعناصر النظام القديم والمقاولين كلها عناصر محافظة وترفض التغييرات العاصفة لحفظ مصالحها، وتحافظ على ” الاستقرار” العنوان الملون للنهب وحياة مرفهة بذريعة الحفاظ على الاخلاق والتقاليد والنظام كما نرى في مضايف الفصل العشائري والدية التي تتحول الى بازار لبيع الدم مقابل المال في طقوس تمثيلية بدائية متخلفة،
وهذا ما حدث حرفياً بعد الاحتلال وحتى اليوم.
تم لجم الواقع بقوة وشرّع له بمؤسسات وقوانين ودستور وأعراف سياسية،
ولن يتغير هذا الواقع لسنوات قادمة، ومن يريد مواصلة الأوهام، يمكنه ذلك لأن الانسان يترجم ويرى الواقع لا كما هو بل يترجمه حسب قدراته العقلية وثقافته من باب التمنيات والآمال الزائفة والأمل الزائف أكبر مصدر للأوهام.
نحن لا نرى الواقع نفسه ولا نرى اين يمضي بالطرق نفسها: الذين يرون ” الواقع الظاهري” لا يرون غير السطح،
وهناك خلف ” الواقع المخفي” قصة عميقة مختلفة من مصالح وشركات ودول وجيوش ونفط ومعادن ومافيات وعادات واحزاب وتقاليد والخ
وهذه العناصر متداخلة تداخل أنياب التماسيح ومن يدعي القول ان الواقع امامه وهو يراه هو شخص غبي لأنه يرى سطح الواقع ولا يرى مصانع القرار السرية في السراديب والأقبية والمكاتب وغرف الظلام. في السياسة من المستحيل ان تكون هناك حقيقة ظاهرة كلقية طريق وواضحة بل السياسة فن الكذب والخداع. هذه عقلية الجمهور المسيس المسطح الذي يفسر كل ظاهرة تفسيرا سياسيا ويعتقد ان ما يراه هو الحقيقة كاملة.
عناصر منتقاة من النظام القديم، مع شريحة جديدة من المقاولين جرى انتاجها بسرعة من حفاة الامس كجسر للعبور نحو الاسوق الحرة الراسمالية للتحكم بالنظام المصرفي بطرق خفية وكل هذه عناصر محافظة ترفض أي تغيير في الأوضاع، وربط كل ذلك بدستور وقوانين، يكون قد تم وضع السلطتين السياسية والاجتماعية تحت التحكم الخفي التام،
وترك الدمى الحاكمة تتصرف كما تشاء في الهوامش لاجل الهيبة امام الناس.
هذا النظام السياسي مغلق من الداخل وتتداول فيه قوى السلطة في طقوس مقررة ومن المستحيل في الظروف الراهنة احداث اية تغييرات جوهرية فيه
لأن كل القوى معبأة ومشحونة بالمال والسلاح والحلفاء والاتباع والغوغاء
والمصارف والعقارات والعقائد وحياة مرفهة بحيث تدافع عن وجودها
دفاعا انتحاريا لان الخسارة ليست سياسية، بل قصة حياة أو موت وعقاب ومحاكم مستقبل:
هذا النظام لا تكسر حلقته المفرغة إلا من خارجه، من قوى مضادة وبديلة وصاحبة مشروع والمشكلة أنها غائبة ومغيبة حتى اليوم وتركيبة النظام لا تسمح بوجود قوى مختلفة غير الحالية.
لذلك وفي هذه الظروف وهذا الوضع المركب والمعقد، سيبقى هذا النظام لسنوات طويلة قادمة لان عوائد النفط تغطي عاهات دولة فاشلة كما في دول الجوار لكنه سيتفسخ ويتحلل ويتعفن على مراحل ويتداعى وينهار تحت أحداث عاصفة او حتى عابرة لان الاسس منهارة ومنخورة لكن بكلفة فادحة الثمن أكثر من الصعود.
ـــــــــ تُعرف “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” باسم “مُسودة إرشادات تخطيط الدفاع” (Defense Planning Guidance) لعام 1992، والتي تسربت إلى صحيفة “نيويورك تايمز” وأثارت ضجة هائلة حينها. تعتبر هذه الوثيقة حجر الزاوية لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة ولفويتز ” نسبةً إلى بول ولفويتز الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع للسياسات آنذاك وفي غزو العراق الذي يرجح كثيرون انه وزلماي خليل زادة الذي عين سفيرا في العراق بعد الاحتلال من كتب تلك الوثيقة وهم من عتاة دعاة الحرب والتطرف.
يمكن العثور على هذه الوثيقة في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”لـلمفكر الألماني مايكل أوبرسكالسكي. مترجم للعربية. قال الكاتب محمد حسنين هيكل إنه صُدم عندما قرأ الوثيقة التي تتعلق بصنع مصيرنا ونحن لا نقرأ هذه الوثائق.
2 ـــــــــ”أثبتت التجارب اللاحقة (خاصة في العراق وليبيا وسوريا) أن الوثيقة كانت “متفائلة” جداً بشأن ما بعد السقوط؛ حيث ركزت على تحطيم النظام القديم لكنها أغفلت تعقيدات بناء الدولة، مما أدى إلى فوضى وحروب أهلية بدلاً من “النظام المنضبط الحليف” الذي خطط له صقور البنتاغون”.
ان دولنا لا تخضع للعناصر العقلية والثقافية الغربية بل تخضع لعناصر تفكير وتقاليد محلية كالعقائد والحكايات والتاريخ والاسطورة والحلم والمسبحة والفتوى والصدفة والنزوة ومفهوم الموت والشهادة وهذه عناصر لا يمكن للعقل الغربي التكهن بنتائجها كما حدث في الصراع مع الدول الاشتراكية والسوفيت حيث النظرية الماركسية واضحة المعالم ويمكن توقع خطواتها. نحن حتى في الطائفة الواحدة تيارات عدة مختلفة.