كتاب وشعراء

المستوى اللغوي والبلاغي والمجازي في قصيدة “عيناك” للشاعر القدير: أشرف ياسين شبانة.. بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

قصيدة: عَيْنَاكِ
شعر: أشرف ياسين شبانة

عَيْنَاكِ حَقّاً مُلْهِمَةْ
فِيْهَا البَرَاءَةُ مُبْهَمَةْ
أَسَمِعْتِ شَيْئاً قُلْتُهُ؟!
حَسَناً؛
كَانَتْ مُجَرَّدَ هَمْهَمَةْ!.

القَلْبُ غَادَرَ قُمْقُمَهْ
وَالرَّدُّ فِعْل، تَحَتَّمَا
حَاوَلْتُ جَهْدِيْ لأَكْتُمَهْ
عُذْراً؛
مَنْ لِلْفُؤَادِ لِيَلْجِمَهْ؟!.

مَا لِلْفَرَاشِ إِذْ يَطِيْرُ
لِبَهَاكِ.. لَيْلاً أَعتَمَا؟!
عَفْواً؛ إِذَا قَلْبِي الغَرِيرُ
طِفْلاً
لِحِجْرِكِ؛ وارْتَمَىٰ.

لَيْسَتْ حُرُوفِيْ آثِمَةْ
بِالْحُبِّ طَاشَتْ مُفْعَمَةْ
مَازِلْتُ فِيْ عَصْفِيْ الَّذِيْ
قَطْعاً
ضَرَبَ اللِّسَانَ مَعَ اللَّمَىٰ.

كَمْ مَرَّةٍ نَاشَدْتُهُ
يَعْصِيْ بِأَنْ يَسْتَعْصِمَا!
عَفْواً؛
إِذَا مَا قُلْتُهَا
صَدَرَتْ، وَمَا مِنْ تَرْجَمَةْ!

مَنْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ فَصِيْحاً
مَا إِنْ رَآكِ
تَلَعْثَمَا
ذَابَتْ بِطَرْفِهِ مِنْ مَدِيْحٍ
كُلُّ الحُرُوْفِ مُدْغَمَةْ.

مَا لِلشِّفَاهِ كَأَنَّمَا
أَفْشَتْ بِحُبِّكِ مُرْغَمَةْ؟!
حَاءٌ، وَبَاءٌ شُدِّدَتْ
جَهْراً
تَهَادَتْ مُتْخَمَةْ.

يَا بَدْرُ يَسْمُو كُلَّمَا
رُمْتُ العُرُوجَ
إِلَى السَّمَا
أَحْصَيْتُ فِيكَ الأَنْجُمَا
رِفْقاً بِرُوحِي المُغْرَمَةْ.

لَا تَجْعَلِي الأَمْرَ عَسِيْراً
يَبْدُو كَأَنَّهَا تَمْتَمَةْ!!
إِلَّا إِذَا..
إِلَّا إِذَا لَاقَتْ صَدَىً
يَا لَيْتَ؛ أَوْ.. يَا رُبَّمَا!.

قراءة القصيدة:

أبيات مفعمة بالرقة والعاطفة الشعرية، منسوجة بحرفيَّة وطاقة تعبيرية عالية، بعيدة عن السقوط في فخِّ المباشرة الجافة والغموض المعقَّد. استطاع الشاعر المصري (أشرف ياسين شبانة) من خلالها أن يرسم لوحة عاطفية تنبض بالحركة (طيران، ارتماء، مغادرة، لجم)، ما يجعل النصَّ قريباً من قلب القارئ وعقله في آن واحد.
يُجسِّد النص البوح الفطري الذي لا يملك المحب إخفاءه، ومعاناة الترقُّب بين الرجاء والشفقة من خلال الإعلان الاضطراري وتصوير الشفاه وكأنَّها تنطق بكلمة الحب رغماً عنها؛ فالحبيبة عاجزة عن كتمان سرِّها، وبالتالي يلجأ الشاعر إلى العلو الروحي ليعكس السمو الوجداني لهذا الحب:
“البدر، والعروج إلى السماء”.
كما ينتهي الصراع بين التمتمة والصدى بأمل رقيق مشوب بالقلق (يا ليت، ربما)، وكأنه تأرجح ما بين الخوف من أن يظل البوح مجرَّد “تمتمة” لا قيمة لها، وبين الرجاء في إيجاد صدى لهذا البوح (تجاوباً وقبولاً) من الطرف الآخر.
فيما يتميَّز الأسلوب الشعري المعتمد على مجزوء بحر الرمل بتدفُّق لغوي متماسك، وبناء مجازي عاطفي رقيق؛ كونه ينتمي إلى شعر الغزل الوجداني الرومانسي، ويجمع بين بساطة اللفظ وعمق الصورة، فهو ليس وصفاً بقدر ما هو موقف حواري. يبدأ بالمديح، ثم الارتباك والاعتذار: “كانت مجرد همهمة”، ثم مبررات هذا الاعتراف، والاستسلام الطفولي للحجر، لتظهر اللغة عاجزة أمام جلال الحبِّ والجمال، حيث تتحوَّل المفردات من أدوات للتعبير إلى كائنات حيَّة تتأثَّر بوجدان الشاعر:
“ليست حروفي آثمة.. بالحبِّ طاشت مفعمة”
الشاعر هنا يُبرِّئ نصَّه من تهمة الإثم أو الخطيئة؛ فما أصاب كلامه من اضطرابٍ ناتجٌ عن امتزاج الكلمات بالحبِّ حتى فقدت توازنها، تماماً مثل الكائن الحي الذي يفيض بالمشاعر حتى يفقد السيطرة على نفسه.
وفي المقابل، يتميَّز المستوى اللغوي والبلاغي بفصاحة الألفاظ وسهولتها كونها واضحة، بعيدة عن الغرابة والتعقيد. وليس أدلُّ على ذلك من مفردات: (الغرِير، يَلْجِمَه، قُمْقُمَه) التي تمنح النص جزالة تراثية، بينما تركيب الجمل يحمل خفَّة وعصريَّة. أيضاً أبدع الشاعر أشرف ياسين شبانة في استخدام الحروف الهامسة والرخوة (الهاء، الميم، السين) في المقطع الأول لتوحي بالسرية والهمس، ثم الانتقال إلى حروف المد والألف الإطلاقية (أعتما، وارتمى) لتوحي بالانفتاح والاستسلام المطلق. أمَّا التقديم والتأخير فيظهر واضحاً في عبارة: “ما للفراش إذ يطير؛ لبهاكِ.. ليلاً أعتما”، اعتماداً على أسلوب الاستفهام التعجبي بتقديم الجار والمجرور والظرف، ما أضفى مساحة من الدهشة والتأمُّل اللغوي.
أما على المستوى المجازي (الصور والتشبيهات)، فيعتبر المجاز نقطة القوة الأبرز في القصيدة؛ إذ وظَّف الشاعر الصور البيانية بأسلوب المفارقة القائم على التناقض الجميل في قوله: “فِيْهَا البَرَاءَةُ مُبْهَمَة”، وهو مجاز ذكي يصف سحر العينين الجامع ما بين الطهر والغموض الجاذب. كذلك يحتوي النص على الاستعارة المكنية عندما شبَّه الشاعر القلب بالكائن البشري الذي تحرَّر من سجنه بمجرد رؤيتها في قوله: “القَلْبُ غَادَرَ قُمْقُمَه”، و”مَنْ للفُؤَادِ لِيَلْجِمَهْ؟”؛ إذ شبَّه الفؤاد بالخيل الجامح الذي لا يمكن السيطرة عليه أو كبحه، وهي صورة تدلُّ على شدَّة الشوق واندفاع العاطفة.
ولعلَّ الرمزية تعكس بجلاء جمال المحبوبة ونورها وكأنَّ الليل أظلم في عين الفراش ولم يعد يرى ضياءً إلا وجهها:
“مَا للفَرَاشِ إِذْ يَطِيْرُ؛ لِبَهَاكِ.. لَيْلَاً أَعتَمَا؟!”
فيما تُحَوِّلُ المجازاتُ عاطفة العشق إلى حاجة فطرية للأمان والسكينة كتركيب: “إِذَا قَلْبِي الغَرِيرُ، طِفْلَاً، لحِجْرِكِ؛ وَارْتَمَىٰ”، حيث شبَّه القلب النقي قليل الخبرة بالطفل الذي لا يجد أمانه ولا راحته إلا بالارتماء في حجر أمه، معتمداً في نسج قصيدته على نظام المقطوعات متعددة القوافي ليمنع الملل ويمنح النص حيوية موسيقية تشبه دقات القلب المرتبكة.

بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى