
ثمة ملاحظة لا بد من الوقوف عندها في سياسات الرئيس الامريكي دونالد ترامب، انها تتمثل في الآتي: ان مراقبة ما يسميه كلينغبيرغ (F.klingberg) المسافة السياسية بين الدول ( وتعني قياس التقارب والتباعد في السلوك السياسي بين دولتين تجاه بعضهما ولفترة زمنية كافية استنادا لسلسلة من مؤشرات التطابق والتباين ) تدل على ان العلاقات الامريكية مع دول العالم خلال فترتي رئاسة ترامب(2016-2020 و 2025-الآن) تشير الى ان اعلى درجة تقارب هي مع روسيا ،وعندما نقول تقارب ،فان هذا لا ينفي طبقا لنموذج كلينغبيرغ التباعد في جوانب معينة ، لكن المهم هو مقارنة مؤشرات التقارب بمؤشرات التباعد ، وتحديد ايهما اكثر نسبيا،وهل التقارب يسير بشكل خطي ام التباعد الذي يسير خطيا؟ .
و للاجابة على نموذج كلينبيرغ يكفي الاشارة لأهم مؤشرات التقارب ذات ا لدلالة الاستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة:
1- لعل موضوع اوكرانيا هو المؤشر الابرز ، ففي هذا الموضوع يكاد ان يُجمع المحللون يسارا ويمينا على ان ترامب هو الاقرب للموقف الروسي مقارنة باية دولة في العالم سواء سياسيا او عسكريا او اقتصاديا ، ولعل الحوار الذي شاهدناه بين ترامب ونائبه من ناحية والرئيس الاوكراني زيلينسكي لا يحتاج للجدل. ومن الواضح ان هذه القضية التي شكلت القلق الاكبر لاوروبا تدل بشكل لا لبس فيه ان ترامب اقرب للموقف الروسي منه للموقف الاوروبي.
2- منذ رئاسة ترامب الاولى وهو يبدي التذمر من ان اعباء نفقات وتسليح حلف الناتو تتحملها بشكل “غير متوازن “الولايات المتحدة ،وراح يضغط على الدول الاعضاء في الحلف لرفع نسبة مساهماتهم في الحلف ولزيادة معدلات الانفاق العسكري لتتجاوز 2% من اجمالي الناتج المحلي لكل دولة عضو، واستغل هذا الموضوع تماما خلال الحرب الاوكرانية الروسية، وهو ما خلق توترا داخل الناتو وانقسامات واضحة بين الدول الاوروبية وبين امريكا، وكان المستفيد الاول من كل ذلك هو روسيا.
3- فجر ترامب قضية الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وهو ما عارضته الدول الاوروبية كلها تقريبا، وتوترت العلاقات الاوروبية الامريكية ،مما شكل صدعا في التحالف الغربي ،وهو ما اثلج الصدر الروسي.
4- بمراجعة عدد كاف من المراكز المتخصصة في الجانب التجاري لمصادر الطاقة، فان الارتفاع في اسعار النفط والغاز نتيجة الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران واغلاق مضيق هرمز ،قدمت الحرب –طبقا للتقديرات المتخصصة- دخلا “يوميا” لروسيا يصل ما بين 550 الى 720 مليون دولار يوميا، فاذا ازدادت الامور تأزما فقد يقفز الدخل اليومي من هذا القطاع لروسيا الى اكثر من مليار يوميا، وهذا يعني ان ترامب يساهم بسياساته في تغطية نفقات بوتين في حربة مع اوكرانيا .
5- بعد ان خلق ترامب ازمة طاقة نتيجة سياساته في الخليج وبخاصة مع ايران، وبحجة تخفيف آثار ارتفاع الاسعار للطاقة، فقد وافق على تخفيف العقوبات عن النفط الروسي وسمح بشرائه.
6- تساؤل مشروع آخر هو :ان الولايات المتحدة تبدي رضا تام عن سياسات الرئيس السوري الحالي ، لكنها لم تسانده ولم تطلب منه انهاء تواجد القواعد العسكرية الروسية في سوريا رغم ان روسيا كانت سندا واضحا للرئيس السوري الهارب، فلماذا هذا التغاضي عن القواعد الروسية في سوريا .
7- اليس من مصلحة روسيا ان تظهر الولايات المتحدة بانها إما دولة مرتبكة (كما يشعر اغلب الاوروبيين بما فيهم بريطانيا الحليف الاقرب للولايات المتحدة) او دولة يزداد الاستقطاب الداخلي فيها (كما هي صورة امريكا لدى اغلب دول العالم).
8- الم ينتهي انسحاب ترامب من 66 منظمة وهيئة دولية الى اضعاف الدور الامريكي في المجال الدولي، ويكفي الاشارة الى ان من بين هذه المنظمات هناك 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة، وبغض النظر عن تبريرات ترامب لهذه الانسحابات ، فان روسيا ترى في ذلك اضعافا لتاثير الولايات المتحدة في دور هذه المنظمات، وهو ما يجد ترحيبا في روسيا.
9- لم تعد اغلب سياسات الحمائية التجارية لترامب –وباجماع الجمهور الواسع من علماء الاقتصاد الامريكيين- باية نتائج ذات دلالة ،بل ان بعضها انتهى لنتائج عكسية ،ويكفي مقارنة معدل النمو الاقتصادي الامريكي بمعدل النمو الاقتصادي الروسي في الرئاسة الثانية لترامب ، لنجد ان سياسات ترامب قادت لارتفاع نسبة نمو الاقتصاد الروسي.
10- ان سياسات ترامب تجاه بعض الدول المهمة مثل الصين وايران واوروبا دفع هذه الدول الى التقارب مع روسيا اكثر بحكم الحاجة لمواجهة الضغط الامريكي او بحكم الضرورة لعدم وجود بديل كاف كما هو الحال في سياسات ترامب النفطية ،فها هي اوروبا تناقش العودة لمصادر الطاقة الروسية،فالخليج مقفل على الاقل حاليا، وايران بحاجة اكثر من اي وقت مضى للمساندة الروسية ،والصين سيزيد اعتمادها على الطاقة الروسية بخاصة إذا نفذ ترامب تهديداته الاخيرة ضد ايران، فالصين تعتمد بنسبة 20% على روسيا في النفط ،وارتفع اعتمادها على روسيا بمعدل 23% منذ نهاية 2023
11- ان جميع-أؤكد على جميع” الهيئات الامريكية الاستخبارية الرسمية او المتخصصة والاعلامية التي اجرت تحقيقا في انتخاب ترامب في المرة الاولى اكدت وبشكل قاطع التدخل الروسي في الانتخابات لصالح ترامب ، وبلغ عدد هذه الهيئات بخاصة التي يمكن الاعتماد عليها كمراجع للموضوع اربعة جهات رسمية(مكتب التحقيقات الفيدرالي ،وزارة العدل، لجنة الاستخبارات في مجلس النواب،لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، وهناك تحقيق مشترك ساهمت فيه هيئات مثل : ICA وFBI و NSAو CIA، اضافة الى تحقيقات جون دورهام ،وهنا نطرح السؤال: لماذا انحازت روسيا لترامب دون غيره.؟
12- لا اظن ان هناك رئيسا حظي بالمديح ودفء العبارة تجاهه كما حظي الرئيس الروسي بوتين الذي يصف ترامب بانه :الاذكى والامهر والصديق والايجابي…لماذا؟
13- هل شخصية ترامب المنحطة اخلاقيا(بشهادة ملفات ابستين) والمريضة بالنرجسية(بشهادة جمهور علماء النفس الامريكيين) والكاذبة (بشهادة االملف في ابرز صحيفتين امريكيتين(نيويورك تايمز والواشنطن بوست) والجشعة مااليا تجعل احتمالات “بيع نفسه” ممكنة ؟
لقد علَّمنا إمامُنا القديم ابو حامد الغزالي ان الشك منهج ضروري لكي لا نقع في غواية المحسوس، فنحن كما قال الامام نرى النجوم قطعة صغيرة ،بينما هي في الحقيقة بملايين الكيلومترات المربعة…ودعا الفيلسوف الاشهر رينيه ديكارت الى اعتبار الشك منهجا للاستدلال على الوجود ، وهنا نعيد طرح السؤال: هل ترامب عميل لروسيا(Agent) يحركه رئيس هو بوتين الذي تتجمع كل خبرته في العمل الاستخباري الذي أداه بحنكة طويلة ضد الناتو ولحوالي عقد ونصف ، ام ان ترامب “اصل او ذخر “(Asset ) فهو رجل له نفوذ واسع وعلاقات عميقة في المجتمع الامريكي ويتم استغلال نفوذه هذا استنادا لمنافع كان قد قدمها الروس له سابقا.
سبق وان نشرت دراسات حول موضوع علاقات ترامب بروسيا، وتراوحت هذه الدراسات بين من اعتبره عميلا ومن اعتبره ذخرا، لكني ارى ان اخطر الكتابات الموثقة حول الموضوع (وسبق ان عرضت لمضمونها ) هي :
1- Craig Unger-American Kompromat-How the KGB cultivated D.Trump –
2- Luke Harding-Collusion Secret meeting ,Dirty money and how Russia helped Trump win(وهنا اتمنى التركيز على الصفحات 29 -31 ثم 75-80 ثم 173-215 ثم 276-303
3- التقرير الذي نشرته The Economic Times بتاريخ 23-فبراير 2025 وهو عن مدير مخابرات كازاخستان السابق واسمه ALnur Mussayev ،والذي عمل في الكي جي بي ايام الاتحاد السوفييتي ،وهو من كشف ان اسم ترامب الحركي في المخابرات الروسية كان Krasnov.
4- لمعرفة التفاصيل الكافية والموثقة من المراجع ، يمكن العودة لدراستي :ضع على غوغل فقط : وليد عبد الحي –اشكالية التحول في العلاقات الروسية الامريكية –مركز الزيتونة(ستجد الدراسة بالعربية والانجليزية وموثقة من اكثر من 90 مرجعا.).
اخيرا ، وهنا اسأل: هل التدخل الروسي لانتخاب ترامب، واتساق اغلب سياسات ترامب مع روسيا تبرر شكوكي، انا متيقن ان الامام الغزالي وديكارت سيقولان لي ” أنا اشك فانا موجود” اما اليقين فاعود فيه الى “ربما”.