كتاب وشعراء

القضية الفلسطينية… بقلم يسرا عبد الفتاح

حوار: “لأننا ما زلنا ننتظر العدالة”
قال الطفلُ الفلسطينيّ بصوتٍ مُتعب:
أمّي، لماذا تهتزّ الجدران كلّ ليلة؟ ولماذا ننام ونحن نرتدي أحذيتنا؟ ولماذا أراكِ تضمّينني كأنّكِ تخافين أن أفلت من بين يديكِ؟
أجابته الأم، ودمعتها تختنق في عينيها:
يا صغيري، لأنّ هذه الأرضَ لم تعرف النوم منذ زمن، ولأنّ الخوف صار ضيفًا ثقيلًا على بيوتنا، ولأنّي أخشى أن يأخذك القصف من حضني قبل أن أُكمل لك دعائي.
قال الطفل:
وأين أبي؟ لماذا لم يعد؟ لقد وعدني أن يشتري لي حقيبةً جديدة، وأن يأخذني إلى المدرسة حين تهدأ السماء.
أطرقت الأم طويلًا، ثم قالت:
أبوك يا بُنيّ لم يَعُد يملك طريقًا يعود منه، لقد سبقنا إلى الله، وترك لنا وجعًا أكبر من أعمارنا، ووصيّةً واحدة: “لا تتركوا فلسطين وحدها.”
سكت الطفل لحظة، ثم قال:
وأختي؟ لماذا لم تَعُد تضحك؟ لماذا تنظر إلى الباب كلّ دقيقة وكأنّها تنتظر شيئًا لن يأتي؟
قالت الأم:
لأنّ هذه الحرب لم تترك قلبًا على حاله، سرقت من الأطفال لعبهم، ومن البنات طمأنينتهن، ومن الأمهات أبناءهن، ومن البيوت دفأها. صرنا نعيش على الخوف، ونأكل من القهر، ونشرب من الصبر ما يكفي أُمّةً كاملة.
قال الطفل، وصوته يرتجف:
أمّي، هل نحن أشرار؟ لماذا يفعلون بنا كلّ هذا؟ لماذا يُقتَل إخوتي؟ لماذا تُدفَن أحلامنا تحت الرُّكام؟ لماذا يموت الأطفال قبل أن يعرفوا معنى الحياة؟
شهقت الأم كأنّ السؤال خنجرٌ في قلبها، ثم قالت:
لا يا روحي، لسنا أشرارًا، لكنّ العالم أحيانًا يصمت طويلًا حتى يظنّ القاتل أنّه على حق. نحن لا نموت لأننا ضعفاء، بل لأننا تُركنا وحدنا في وجه هذا الظلم.
قال الطفل:
وهل يسمعنا أحد؟
أجابت الأم:
يسمعنا الله، ويرى وجعنا، ويعلم كم مررنا من ليلٍ ثقيل. أمّا الناس، فمنهم من بكى، ومنهم من دعا، ومنهم من خاف، ومنهم من صمت… وكأنّ صمتهم لم يكن سهمًا آخر في صدورنا.
قال الطفل:
أيعني هذا أنّنا سنبقى وحدنا؟
قالت الأم، وهي تحتضنه بقوة:
لا، فلسطين لا تموت، ولو خذلها الجميع. هذه الأرض تحفظ أسماء أصحابها، وهذا التراب يعرف دماء أبنائه، والحقّ وإن طال صمته لا بدّ أن يتكلّم يومًا.
ثم ساد الصمت، ولم يبقَ في المكان إلا صوتُ قلبٍ صغير يسأل، وصوتُ أمٍّ مكسورة تحاول أن تبدو جبلًا، وسماءٌ ما زالت تمطر نارًا على قومٍ لم يطلبوا من الحياة إلا أن يعيشوا بسلام.
وفي آخر الليل، قال الطفل همسًا:
أمّي، إذا متُّ، هل ستتذكّرني فلسطين؟
فبكت الأم وقالت:
يا بُنيّ، فلسطين لا تنسى أبناءها، لكنّ الوجع كلّه… أن ينسى العالم أنهم كانوا أطفالًا، وأنهم كانوا يستحقون الحياة.

ليس أقسى من موت الأبرياء، إلا أن يموتوا أمام عالمٍ يعرف، ويرى، ثم يختار الصمت. فلسطين ليست خبرًا عابرًا، ولا صورةً تُنسى، بل جرحُ أمّة، واختبارُ ضمير، وحقيقةٌ ستبقى تُلاحق كلَّ من رأى المأساة وسكت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى