كتاب وشعراء

صلاة عاشق… بقلم حسن عبد السلام أبو دية

في يالو،
أعلّق ظلّي على الرّيح، أبحث عنّي، وأفنى، هناك حيث تمطر أسماءً من الغيب، تفتح في القلب أبواباً للحنين، وفيها تميل الحجارة نحو صلاة التّراب، وتبكي الخرائط، حيث تفكّ مفاتيحُ بيت قديم من الصّمت، فيمرّ الزّمان خفيفاً كأنّما طيف النّبيذ على جرح دالية كانت ترخي جديلتها على شباك بيتنا.
وفي يالو تذوب الحدود كأجنحة الرّيح، تشقّ في الأرض درباً لمن غيّبتهم الغربات، هناك أرى جسدي يتناثر ثمّ يعود سحاباً يعلّق أسماءه تمائم على أشجار الزّيتون. وفي يالو أرى القديسين يمشون على قمح الحقول، حيث تسوق خطواتهم السّحاب والنّدى، فيفيض الوجود عليّ صلاة تذيبني في روح نسائم تخبّئ ما علق بها من غبار القرية إذ جاءها الأعداء بالنّسف، وأصيرُ غبار المعاني، أقاسم زيتونها والضباب.
وفي يالو… هكذا، يسقط المعنى فجأة، وتنهض أرض تسمّى: لم تكن يوما غياباً.
يالو يا كلّ الحكاية، اسمك ينزل من فم الغياب كما يعانق المطر الأوّل التّراب. أمشي إليك، فتضيع الخطى فيّ وأسمع ظلّي يتلاشى يغادر ضبابا يلفّ ما تبقّى من جدار أيلون. هنا لا شيء يثبت غير انحداري، وغير سؤال يعلّق روحي التائهة، أفتح أبوابها، فتسقط منّي مفاتيح لا تعرف الطريق إلى الإياب.
يالو…
يا جرح النّاي في صوت الحصى، وجرحي.
ودمعاً في عيون النّدى .. وعيني.
وبخور صلاة على قبور الدّراويش، وقبري.
كلّ ما فيّ يمشي نحوك منكسراً، كأنّما يُعاد خلقي من غبار الذّئاب، من العواء. أسقط، أنهض، لا فارق بين الحالتين، فالسقوط هنا شكل من العودة، والطين يعلق في جبيني كتاريخ يعلّمني أنّني مجرّد اغتراب، بين الجدود يمرّ وجهي كغيمة تحاول أن تتذكّر شكل السحاب.
يالو…
إذا غبت صار الظّل أكثر وضوحاً، وصارت خطاي امتداداً للعائدين من الموت ليقيموا في الذاكرة، أحملك في كفّي كشيء يشبهني، أفهم أنّ يديّ فارغتان، فاكتبي على جدار الرّيح: هنا مرّ رجل سكنْتُه وكانني، واقرئي في صوتي تاريخ من ضاعوا، وأحبّوك حيث صار الحب ركن إيمان.
يالو…
أكبر من الأمكنة واللا مكان، أنت انكسار المعنى، وبداية الشك في صحّة كلّ ما قالوا، كم كنت أنت الشّاهدة على من قال لا، فكان الشّهيد! وأضحت روحه تحرس المكان، تغفو في بئر حيبة، تَرِدُ القبّة مساءً.. تغسل الذكرى لتبقى طازجة، بهيّة، تفتح ذراعيها للأحفاد، تعيد رسم ظلّ المهجّرين السّاكنين في نسيج الحكايا، وزوايا الاغتراب.
هذي صلاتي إليك، حيث تيمّمت، ويمّمت قلبي، وبدأت صلاتي بطلب الغيث.. لا ماءَ في كلّ الدنيا كي أتوضّأ ليوم الحساب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى