كتاب وشعراء

بقايا جسد ….بقلم وليد العايش

أطلَّ الفتى اليافعُ من حافةِ النافذة , كانت عيناهُ شِبهَ مُغرورقتين بِدمعةٍ باردة , وجههُ الداكنُ البياض يحتفلُ بآخرِ ابتساماته , يدهُ ترتجِفُ كرحْى طاحونةٍ أكلتها سنونٌ طويلة , الرياحُ تُداعِبُ شعرهُ الأشعثُ غيرَ عابئةٍ بِكُلِّ ما وراءَ الأفق , همَسَ : ( أُمّي تُناديك ) , أشاحَ بِخجلِ عذراءَ , وهبَ نفسهُ لصهيلِ الرياح , اِرتديتُ بعضاً منْ ثيابي المركونةِ بزاويةِ سريرٍ مُتهدج الصدى , اِمتطيتُ حِذاءاً لمْ ألمحْ شكلهُ , أمطارٌ صامتةٌ كانتْ بِانتظاري على قارعةِ عتبّةِ الدار الأخيرة , الأغصانُ الشمطاءُ تضرِبُ أخواتِّها على غيرِ عادتها , عشراتُ الأمتارِ تساقطتْ تحتَ قدميَّ الموحِلتين , النهرُ يَعِجُّ بفيضِ ماءٍ رمادي , اِنزلقتْ قدّمٌ , تبِعها جسدٌ مُترعٌ بالهموم المُظلمة , الماءُ يُعانِقُ الثياب , يُدغدِغُ بقايا جسد , ماءُ سماءٍ ونهر مُتعجرف , ( يالسُخريةِ الحظِّ ) قُلتُها وأنا أُحاولُ رَتْقَ أسناني , تابعتُ مُترنِحاً , الرياحُ تزيدُ هيجانها كثورٍ إسباني , المطرُ يُحَلِّقُ حولي , أمسى كأنشوطةِ طفلة , شعرتُ حينها بالدربِ القصيرِ يتطاولُ كعُنُقِ زرافةٍ إفريقية , باتَ البيتُ على مرمى عينيَّ , لكنَّ الظُلمةَ الرؤومُ تكبحُ المشهد , الوحلُ يتشبثُ بِالحذاءِ المجهول , الضجيجُ يطرِقُ أُذني , لأولِ مرةٍ لا أطلبُ صكَّ الدخول , كانتْ الأمُّ ترنو إلى أطفالٍ خمسة , الابنةُ الكُبرى تقبِضُ بيديها , تُقبّلهما تارةً وأخرى تشيحُ بِوجهها صوبَ السماء , رُبما في تِلكَ اللحظةِ وقفَ السقفُ الخشبي بينها وبينَ السماء , ورُبما تلكَ الغيومُ السوداوية , سرقتُ يدَ الأمِّ منْ براثنِ اِبنتها , جسُّ النبض كانَ مُرعباً , العيونُ تتأرجحُ , أنينٌ يطرقُ السمعَ كسوطِ جلادٍ تتاري , الصقيعُ يُباغِتُ الجسدَ المُلتحِف , تتهاوى اليدُ دونَ وداع , الطفلُ الأصغرُ يلهو بِدميةٍ مُهشَّمةِ المعالم , الفِراشُ يبكي , الريح تصمت فجأة , الأمطار تحبس نفسها … عندما حاولتُ اِمتطاءَ حِذائي , اكتشفتُ أنَّه كانَ بلونين …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى