
منذ أكثر من ربع قرن بشكل خاص ومؤلفات كثيرة غربية وامريكية وعربية تتحدث كيف يتحول العربي والمسلم الى ارهابي،
علماء واطباء نفس واجتماع ومفكرون وكتاب وروائيون وشعراء وغيرهم قرأ كثيرون منهم بعض تلك الكتب،
بل كتبوا مقالات عن كيف تحولنا الى ارهابيين وصار العربي الارهابي مادة دسمة لكتاب الرواية خاصة للفوز بالجوائز بل بعض الكتاب العرب لا يتحدثون عن الارهاب الغربي ولا في قضايا مصيرية ويعيش وهم الحصول على نوبل التي يعرف شروطها الضمنية كشروط الجوائز العربية كما في رواية واسيني الاعرج:” مستر ولا شي: مأدبة جائزة نوبل الأخيرة” عن الروائي الذي يقضي حياته حالما بجائزة نوبل في حين الحياة تجري في مكان آخر .
لقد صدقنا إننا ارهابيون بالولادة والتاريخ والجينات وحتى الشمس الحارة بل كتبت روائية عراقية تقول ان شعر المفاخرة العربي هو سبب الارهاب.
لكن من النادر قراءة كتاب عن كيف تحول الغربي والامريكي والاسرائيلي الى ارهابي؟
لكي تستمر ثنائية: ملائكة في مواجهة شياطين، الخير في موجهة الشر، ونحن بالطبع نمثل كل ما هو سيئ في الحياة من هذه الثنائيات.
ثلاثة من أكبر فلاسفة العالم: جاك ديريدا صاحب المدرسة التفكيكية، وجان بودريار أهم فلاسفة القرن بل يعده البعض كل القرون وعالم اجتماع، ونعومي تشومسكي عالم لسانيات وفيلسوف وبلا شك غيرهم، من انتقد هذه الافتراءات وقلب المعادلة.
جان بودريار كتب :
” “نحن ـــ الغرب ــــ الذين أردنا هذه الأحداث ـــ 11 ايلول 2001 وسقوط البرجين ــــ وإن ارتكبها هم، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيدا أن الأمر ليس كذلك”.
واذا كانوا” هم” من فعلها، فـــ ” نحن” من أشعل نار الحقد فيهم وخربنا اوطانهم ونهبنا ثروتهم وحولناهم الى قطعان مشردة، فكيف يفكر هؤلاء ولو بمنطق الطب بمفاهيمنا كالعدل والديمقراطية وحقوق الانسان والقانون الدولي وجنود الغرب والولايات المتحدة تدخل غرف نومهم وتخرب حقولهم وتسرق ثروتهم وتسحقهم وتقتلهم؟
كيف يفكر المهان والجائع وجريح الكرامة تفكيرا عقلانياً في حين القوانين في بعض الدول الغربية لا تعاقب لص محلات يسرق طعاماً اذا لم يمتلك مالاً ـــــ بعض الفقهاء العرب حرّم شهادة الجائع لانه لا يرى بوضوح وغير طبيعي ــــ ولا يجوز مثلاً في الدول الاسكندنافية أن ينام الانسان بلا سقف ولا طعام ولا دواء وهذا واجب الدولة توفيرها لأن الضرر الفردي سيكون عاماً: مرضى تتكفل الدولة بنفقات علاجهم، وربما يتحولون الى شريرين.
” نحن أردنا ذلك، وهم جاؤوا الينا، يضيف بودريار مؤلف: اطروحة موت الواقع، وأما جاك ديريدا الذي لا يصنّف لا كفيلسوف ولا كحالم ولا شاعر بل هو مزيج من كل هذا وأكثر ومن حرث الفلسفة الغربية،
فقد وصف الولايات المتحدة والحلفاء الاوربيين بشن حروب بعد خلق ذرائع كاذبة هذه الدول: ” في طليعة الدول المارقة”
كنب نعومي تشومسكي كتابا بعنوان:” الدول المارقة” صانعة الارهاب الدولي التي تستغل مظالم دكتاتوريات” غير منضبطة” هي من دعمها ورسخها في حين تدعم نظماً بدائية متخلفة لكن متعاونة” ومنضبطة” لا تعرف معنى الديمقراطية ولا تحترم الانسان ولا حقوقه الحقيقية .
كيف تجعل الضحية تتبنى سردية جلادها؟
بالتكرار والتلقين والضخ الاعلامي المستمر كل يوم بل كل دقيقة وعلى مدى سنوات وبالتخويف والترهيب والاغواء الكاذب وعندها سيتحول بعض الضحايا الى فلاسفة في كيف تحولنا الى ارهابيين في تبني السردية الغربية الامريكية في قلب صارخ للواقع والحقيقة.
أكثر الكتب عن تحولنا الى ارهابيين كتبها كتاب عرب إما عن تماهي الضحية بجلادها حسب فرويد أو انتهازية أو سطحية وأكثر الروايات عن العربي الارهابي كتبها عرب:
الارهاب حسب بودريار لا يرتبط بايديولوجيا بل بالظلم وهو يشمل عنف التكنولوجيا وكيف اغتالت وسائل الاعلام الواقع وشوهته، وهو رأي أدوارد سعيد أيضاً، المسلمون والعرب لم يشنوا حربين عالميتين حولت مدن أوروبا الى أنقاض .
هناك سياق تاريخي وسياسي غربي وامريكي ساهم في خلق هذا الارهاب الدولي لكنه مبتور ويجري التركيز على الحدث وتجاهل اسبابه الحقيقية. حسب جاك ديريدا ان حدث 11 ايلول 2001 ليس اهم حدث في التاريخ بل اهم حدث تم تضخيمه وتقسيم الزمن الى ما قبل وما بعد واشرار واخيار وهو تصنيف تعسفي وهمي يعكس السردية الامريكية للحدث.
من يقنع الضحية انها ليست ارهابية؟
قامت هاريت توبمان عندما كانت العبودية شائعة في أمريكا ، قامت بتكوين مجموعة سرية لإنقاذ العبيد من العبودية وأستطاعت تحرير أكثر من 700 شخصاً بسرية تامة،
فيما بعد سألوها: ما هي أصعب خطوة واجهتك ؟ قالت:
” أصعب ما واجهني هو أن أقنع العبد أنه ليس عبداً ”.
العبودية الفردية والعامة تتوارث وتتحول الى ادمان بالتكرار والقوة والعادة والتلقين وتتحول الى برمجة نفسية وعصبية يصعب الخلاص منها ومن المفارقة ان هذا الصنف من العبيد عقليا ونفسيا وفكريا هم اكثر الناس شعورا بوهم الحرية لمجرد انهم لا يرون الحبال الداخلية.
هذا ما يحدث في عالم الفيلة عندما تربط بالسلاسل وهي صغيرة وعندما تكبر تفك عنها السلاسل لكنها تتصرف كما لو انها موجودة بعد برمجتها ويصبح القيد من نسيجها العضوي وتستعمل في السيرك وهي تعتقد انها مقيدة كما يحدث مثلا للهاربين من القمع في دول ديمقراطية يتصرفون كعبيد مرة وطغاة ثانية على ابناء جلدتهم لان التحرر الذاتي رحلة شاقة وطويلة.
الضحية ليس غبياً بل هو يعالج وضعه بطرق خاطئة ويعتبر معرفته المحدودة والضيقة جزءً من وهويته ومن شخصيته مما يصعب التغيير،
ليست المعرفة عنده أدوات يجب أن تتطور وهو حسب ألبرت آينشتاين” يكرر الخطأ نفسه مرات ويتوقع نتائج مختلفة” لذلك يعيش في دوامة دائرية لا تنتهي كثيران النواعير والحصاد تدور حول المكان نفسه. المعرفة ليست تراكم معلومات بل التخلص من معلومات خاطئة ونقد العقل بالعقل نفسه.
عندما تتبنى الضحية سردية جلادها تتماهى معه وتنتقل من ضحية الى جلاد وتصبح هو في هروب مزيف من دور الضحية وعندما يتوقف الجلاد بعض الوقت عن ممارسة العنف ضدها ويتبنى شعارات ملفقة عن الحرية والعدالة، تتخيل ان ذلك لطف منه وليس جزءا من نظام السيطرة.