
ــــــــــــــ قد لا أملك انتصارات مدهشة ، لكنني أستطيع إدهاشك بهزائم خرجت منها حياً* أنطون تشيخوف.
نحتاج أن نحصي خسائر السنوات الماضية ، الخسائر المدهشة، الخسائر التي تكون الانسان وتضعه على سكة اخرى ، ولو لا تلك الخسائر الجميلة لما أصبحت الحياة بهذا الألق والبهاء حتى في تفاصيل صغيرة.
عندما كان الشاعر والكاتب الارجنتيني لويس بورخيس ــــ في الاسبانية معنى بورخيس البرجوازي وهو كل ما يخشاه أن ينادى به في الآخرة ــــ ينزل سلالم العمارة القديمة في بوينس آيريس وهو بصير،
فحذره كاتب سيرته بارنستون وهو شاعر أمريكي كما جاء في كتابه” مساء عادي في بوينس آيرس” من السقوط، فرد عليه بورخيس بلغته المشفرة العميقة البسيطة:
” لا تقلق فلقد تجاوزت المرحلة التي أنكسر فيها”.
بعض الهزائم تختزن نبلاً مفرطاً صامتاً لذلك ، بتعبير بورخيس، ربما لأن هناك في الهزيمة كرامة يصعب عليها أن تتوافق مع النصر لذلك تضامن الناس مع الطرواديين المهزومين ـــ حرب طروادة ــ وليس مع الإسبارطيين المنتصرين .
كل من نجا من اوقات صعبة ، يشعر بجمال ضوء شمعة كحفل، وكأس ماء نقي كهدية، والمشي في شارع آمن كإحتفال، وبرذاذ المطر كنعمة، والنوم على وسادة نظيفة مكافأة، والاستحمام كالطيران في هواء أزرق، وابتسامات الناس كبهجة ، والوضوح مكرمة وهدية وبمفتاح المنزل كوعد مضيء:
الاحتفاء بالاشياء الصغيرة ليس متاحا للجميع مع الاسف خاصة لمن عاش نسخة واحدة من الحياة مقررة من الولادة حتى النهاية كثوب أبدي.
غالبا ما اسمع هذه العبارة هنا:
” أنت تتمتع بالحياة أفضل منا لأنك عشت الجانب القبيح من الحياة ونحن ولدنا في مكان هادئ نظيف وعادل ولا نعرف قيمة الاشياء البسيطة”.
هذه ميزة استثنائية للكاتب والمثقف العربي الذي عاش في مكانين مختلفين لا يتمتع بها الكاتب الغربي.
لو قبلت عرض الذهاب مع المحتل، وحصلت على جزء من الغنيمة. لو قبلت العمل في صحيفة ممولة من ” واجهة” ثقافية مخابراتية في الخارج.
لو خرجت من العزلة الى الضجيج، وتبادلت مع الجميع المدائح وكنت شخصا صالحاً لأنني متطابق مع الجميع. لو لم اكتب عن الحرية كخيار ومصير وعن الحب كقدر بشري وعن الامل النظيف كهدف.
لو. لم أعبر ثلاثة حدود على قدمي بحثاً عن وطن لان الوطن بلا حرية كسجين ينشر ملابسه الداخلية على الاسلاك الشائكة.
لو التزمت بنصيحة الشاعر معين بسيسو:
” قبر واحد في الوطن، أجمل من كل فنادق العالم”.
لو مشيت مع الجميع، ” وخطوتي وحدي” على قول سعدي يوسف. لو صدقت قول المطرب داخل حسسن:
” أدور على الصدق يا ناس، راح وبعد ما ألكاه”. لو لم أسمع أغاني سلمان المنكوب، عن خراب المنازل.
لو لم أقل مع همنغواي: ” وداعاً للسلاح”.
لو علمت مبكراً أن ” الأعزل” يصبح هدفاً للرماية والإغتيال، كل أنواع الإغتيال، وتهديداً للمسلح على قول ممدوح عدوان، وعدواً للمحتال، ولا مكان له في الوعي المحارب الشقي.
لو قبلت منصب رئيس تحرير في صحيفة ممولة ولم أرفض العرض. لو نسيت أخلاق البراري، واندمجت مع القطيع. لو، صدقت عمر الخيام:
” لا تشغل البال بماضي الزمان، ولا بآتي العيش قبل الأوان،
وأغنم من الحاضر لذاته، فليس في طبع الليالي الأمان”.
لو. ـــــــــــــــــــ لو … زرعوها وما خضرت كما يقول المثل العراقي ـــــــــــــ هجرت الكتابة وتوقفت عن البحلقة في الحيطان ونتف الشعر. لو لم أكتب روايات، وعشت الحياة، بدل السرد.
لو تحولت الى ممسحة مناضد، بدل هذا العصيان المكلف.
لو خرجت من الطفولة إلى الإحتيال. لو توقفت عن حسن الظن،
وقلبت المواقف كل مرة كما لو أنها معاطف كما الطابور.
لو لم اصدق أدوارد سعيد في ان على المثقف ألا يكون له ولاءً لغير الحقيقة، وانتمي لقبيلة أو عصابة سطو أو فرقة ردح، بدل الانتماء للحقيقة.
لو صدقت أبو فراس الحمداني:
” إذا مت ظمآناً، فلا نزل القطر”.
ولو، ولو، وظفت الكلمات كراقصات في حفل الزور، وركبت في حافلة الذاهبين الى الوليمة، بدل عزلة الذئب. لو قبلت اغواء المنفى، بدل الغوص في الحرائق والجثث.
لو اكتفيت بالجواز الاجنبي، بالضمان مدى الحياة، بالسكن المريح جوار البحر والطيور، بالسفر إلى أقاصي الأرض. لو لم اصارع الوحش وأحمل، مخالبه في جلدي.
لو قبلت الأقنعة وصرت مهرجاً في سيرك، بندقية للإيجار، قلماً في إصبع القادرين على الدفع.
لو لم أعبر حقول الالغام، نحو الحرية، حرية تفيض عن مساحة صحراء عريقة في القدم،
لو لم أقرأ الحاج زاير وشكسبير وكامو، لو أحرقت المراحل، وقفزت كالسنجاب في أول الطابور الذاهب الى السطو.
لو صرت ببغاءً في قفص، ولم اختلف مع هذا الصرصار المثقف او ذاك الكركدن الثوري بدل التغريد خارج السرب كنسر على قمة جبل وصدره للريح والابدية.
سيأتي يوم، لن يطول، سنكتشف أن غالبية قصائد النثر التي كتبت في تسعينات القرن الماضي واليوم هي منتحلة من شعراء امريكا اللاتينية كخايمي سابينس وشعراء اليونان كقسطنطين كافافيس وريتسوس كما اكتشف طه حسين في كتابه” الشعر الجاهلي” وفي استنتاجاته وتحليلاته وبحثه الدقيق أن كثيرا من الشعر الجاهلي “منحول” وأنه كتب بعد الإسلام ونسب للشعراء الجاهليين من قبل منتحلين ودهاة في اللغة كخلف الاحمر وحماد الراوية وتعرض للمحاكمة لكن التاريخ اثبت انه على صواب. فكيف يكتب شخص جلف وفظ قصائد رقيقة والاسلوب هو الكاتب؟
لو هتفت لهذا الزعيم وذاك المقاول، وكتبت عن هذه الغانية، وذاك المهرج،
وصرت بدل الاختلاف سايس خيول شيخ خليجي ثري او كاتبا في صحيفته.
لو صدقت المثل العراقي:
” يا مغرّب خرّب” أي القيم الاخلاقية لا حاجة لها عندما تكون في منفى ولا أحد يعرفك في سوق الازدحام. لو خدعت النرويج وفتحت نادياً ثقافياً في الشكل للحصول على أموال دعم الثقافة كما فعل نصابون ولصوص وأميون كما فعل نصاب محترف هارب وأمي هرب من العراق بعد سرقة متجر من سوق “الشورجة” الشهير ولفق للسلطة هنا انه معلم مع انه خريج محو الأمية والناجي الوحيد من انقلاب مسلح لم يحدث حتى في فيلم كارتون وجمع حوله عدد من المنتحلين يتبادلون المنافع والمدائح الرخيصة.
لو تزلفت لهذا وكذبت على ذاك، بدل الوضوح المكلّف، بدل الوقوف أمام البنادق في الحرب بلا ملابس لائقة أمام مفرزة إعدام.
لو توقفت عن أن أعطي ورداً، لأستلم خنجراً. لو، أقول لو، خرجت من العفوية
إلى القصدية، من البساطة إلى التخطيط.
أقول لو، هل قلت لو؟
لو آمنت أن الخيانة وجهة نظر، والكف عن الدهشة، لو صدقت قول كافكا:
” خجلت من نفسي عندما أدركت ان الحياة حفلة تنكرية وأنا دخلت لها بوجهي الحقيقي”. لو لم اصدق قول كازنتزاكي إن الصمت ينبوع الالهام.
لو عرفت ذلك مسبقا لما صرت اليوم في صداقة البحر وغزلان الغابة وشمس منتصف الليل والثلوج وموقد الخشب الصنوبري وضوء شمعة يضيء الخيال في حين المصباح يضيء المكان على قول ملعون الوالدين غاستون باشلار.
لو صدقت قول الروائي حنه مينه:
” اذا كان الكاتب متصالحاً مع الجميع، فلماذا لا يصبح بائع شاورمة؟”.
صحيح ان العزلة مضيئة تحرق من يحاول حرقها، وصحيح انني لم” أنتصر” في معركة لكنني:
“” لا أملكُ انتصَاراتٍ مُدهشَةٍ لكنني أستطيعُ إدهاشَكَ بهزائِم خرجتُ منها حيّاً”.
معارك الحرية والكرامة الانسانية ليست في النتيجة بل في الغاية وانت من دخلت في صراع مع الوحش قد تنجو منه لكنه سيترك مخالبه على جلدك أوسمة مضيئة على أنك حاربت بكل طاقتك ولم تستسلم.
هذا هو النصر الحقيقي الذي يجعلك غير قابل للانكسار أبداً. دع الحياة تجري رغم السرج المبلل والريح والقنطرة بعيدة.، الأهم أن تكون بعيدة لأن الاهداف القريبة أهداف الصغار، والمتعة ليست في الوصول بل في مواصلة الطريق.
حتى لو ارهقك الطريق، لكنك لن تدرك الفوائد العظيمة كما قال كافافيس في الطريق الى إيثاكا:
” وأنت تنطلق إلي إيثاكا فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة حافلة بالمغامرة٬ حافلة بالإكتشاف،
حتي لو كان للشيخوخة أن تدركك٬ وأنت تصل إلي الجزيرة غنيا بكل ما جنيته في الطريق دون انتظار أن تمنحك إيثاكا الغني
لقد منحتك إيثاكا الرحلة الرائعة، فبدونها ما كان لك أن تبدأ الطريق
لكن ليس لديها ما تمنحه لك سوي ذلك ، فإذا ما وجدتها فقيرة٬ فإن إيثاكا لم تخدعك بالحكمة العظيمة التي جنيتها٬ بهذه الخبرة الكبيرة لا بد أنك ــ بالتأكيد ــ قد أدركت٬ بذلك ما الذي تعنيه إيثاكا”.
على كل انسان خرج حياً نظيفاً من معارك الحياة أن يعشق جراحه وآثار المخالب لأنها أوسمة نبل مضيئة على معركة مع الوحش.
ـــــــــــــــ توضيح : ـ إيثاكا جزيرة يونانية في ملحمة هوميروس الاوديسة كانت، في الأساطير اليونانية، الجزيرة التي كانت موطن البطل أوديسيوس.، والشاعر كافافيس عاش في الاسكندرية وهنا نوع من الحنين وفي العام الماضي زرت منزله الذي تحول الى متحف في الاسكندرية وعندما خرجت لم استطع الكلام لساعات.