حسام_السيسي يكتب :بين المعرفة المفتوحة وصمت الدولة: لماذا تبدو مصر كأنها لغز حتى لمن يحاول فهمها؟

#
ليست المشكلة في ندرة المعلومات عن مصر، بل في الطريقة التي تُنتَج بها المعرفة وتُدار وتُترك بلا تحويل إلى نظام قابل للفهم العام أو التراكم.
منذ سنوات، وأنا أكتب اعتمادًا على مصادر مفتوحة فقط: تقارير دولية، دراسات بحثية، وثائق تحليلية، ومقارنات متعددة اللغات. لا تسريبات، ولا “مصادر سيادية”، ولا امتيازات وصول خاص.
ومع ذلك، كلما تعمّقت القراءة، تكررت النتيجة نفسها: الصورة ليست ناقصة، لكنها غير مُفعّلة داخل المجال العام.
في 2021، عند تناولت ما يمكن وصفه بـ”خيارات مصر الخشنة”، في ملف سد النهضة الإثيوبي، لم يكن الطرح قائمًا على انطباع أو تقدير سياسي، بل على 17 مصدرًا دوليًا مفتوحًا تتبعت عبرها بنية التسليح، ومنطق التفاوض، وحدود الفعل الاستراتيجي.
داخل هذا النطاق، تظهر تفاصيل تقنية لا تُقدَّم عادة في الخطاب العام، رغم أنها ليست سرية. من بينها صواريخ Storm Shadow / SCALP-EG، وهي صواريخ كروز جو–أرض تُحمل على طائرات Dassault Rafale، بمدى معلن يتجاوز 250 كم مع تقديرات عملياتية أعلى في بعض التحليلات الغربية. هذه ليست معلومات مخفية، بل معرفة قائمة لكنها غير مُفعَّلة داخل الوعي العام كجزء من صورة كلية.
أتذكر جيدًا ،بعد أسابيع، قدّم الراحل #ياسر_رزق طرحًا تقاطعيًا في خطوطه العامة حول السياق ذاته، “خيارات مصر الخشنة” . لكن الفارق الحقيقي لم يكن في النتائج، بل في البنية التي أنتجتها. هنا تتضح مفارقة أكثر عمقًا: مسار قريب من مركز القرار، ومسار آخر يعتمد على تفكيك مصادر مفتوحة متعددة اللغات، يمكن أن ينتجا خلاصات متقاربة. لا لأن أحدهما يعكس الآخر، بل لأن المادة الخام نفسها كانت متاحة دون أن تُصاغ داخل نظام معرفي عام.
هذه الفجوة لا تتوقف عند اللحظة الراهنة، بل تمتد إلى التاريخ. ففي أكتوبر 2018، عندما قدمت قراءة مختلفة لحرب أكتوبر 1973 اعتمادًا على مصادر إسرائيلية وأوروبية وأمريكية مفتوحة، جاء تعليق مباشر من أحد القادة المشاركين في الحرب برتبة فريق بسؤال كاشف: “من أين أتيت بهذا الكلام الدقيق؟”
السؤال لم يكن انبهارًا، بل مؤشرًا على فجوة أعمق: أن جزءًا من المعرفة الدقيقة بالحدث لم يعد جزءًا من التداول حتى داخل دوائر صناعته. ففي تلك القراءة، كنت قد طرحت سيناريو استراتيجيًا مؤلمًا: “ماذا لو استعدت إسرائيل بشكل مختلف لحرب السادس من أكتوبر؟” مستندًا إلى اعترافات إسرائيلية مفتوحة حول أخطائها القاتلة:
لو استمعت هيئة الأركان إلى رئيس الموساد #تسفي_زامير بدلاً من رئيس الاستخبارات العسكرية #إيلي_زعيرا، لأدركت أن #السادت غير قواعد اللعبة: من “امتلاك السلاح أولاً” إلى “استخدام ما هو متاح”.
لو أعاد الجنرال #ديفيد_أليعازر التفكير في نشر القوات على طول القناة، لَما تحول خط بارليف إلى “لعنة استراتيجية” شهد فيها 450 جنديًا إسرائيليًا 100 ألف جندي مصري يعبرون، بينما هرعت الدبابات إلى مصيدة صواريخ “ساجر”.
لو لم يعين أليعازر الجنرال #شمويل_جونين قائدًا للجبهة الجنوبية قبل أشهر من الحرب، لَما خالف الأوامر وأغرق وحداته في الثغرة المصرية.
المفارقة هنا ليست في صحة المعلومة، بل في كونها تبدو جديدة حتى لمن كان جزءًا من صناعتها. وليس لأن الخارج أكثر معرفة، بل لأنه أكثر توثيقًا.
هنا تتحدد الإشكالية الجوهرية: ليست الأزمة في غياب المعرفة، بل في غياب تحويلها إلى معرفة قابلة للفحص والتراكم والتوريث.
وهنا تنشأ مفارقة حساسة: أن الروايات غير المحلية قد تبدو أكثر إقناعًا حتى عندما تكون منحازة، فقط لأنها مكتملة الشكل. لا يعني ذلك تفوق الخارج معرفيًا، بل تفوقه في التنظيم والتدوين والهيكلة. وهنا تتحول الفجوة إلى أزمة ثقة: ليس لأن الداخل أقل معرفة، بل لأنه أقل توثيقًا.
تتجلّى هذه الأزمة بوضوح في ملفات استراتيجية مثل سد النهضة وحسابات التوازن الإقليمي، حيث لا تكمن الإشكالية في غياب التحليل أو تقدير القدرات، بل في غياب “سياق القرار” نفسه: ذلك المستوى غير المُوثَّق الذي يحدد الانتقال من الإمكان إلى الفعل، ومن القدرة إلى الاستخدام، ومن التهديد إلى ضبطه أو تجنبه. القدرات العسكرية والتحليلات الفنية قد تكون حاضرة في النقاشات، لكن ما يغيب هو كيف يُبنى القرار، كيف يُحسم، وما هي الحسابات غير المعلنة التي تحدد الانتقال من القدرة إلى الفعل.
وفي المحصلة، ليست المشكلة في غياب المعرفة، بل في غياب تحويلها إلى نظام: من معلومة إلى وثيقة، ومن وثيقة إلى ذاكرة قابلة للاستدعاء، ومن ذاكرة إلى بنية تحليلية قابلة للفحص والتصحيح. لا توجد منظومة توثيق تراكمي، ولا أرشفة تحليلية، ولا تحويل للخبرة إلى معرفة قابلة لإعادة الاستخدام. وهنا يصبح التناقض جوهريًا: دولة تمتلك كثافة معلوماتية عالية، لكنها لا تنتج “نظام معرفة” بالمعنى المؤسسي.
ولهذا، يتقاطع بشكل غير متوقع مساران يفترض أنهما متباعدان: القريب من مركز القرار والباحث المستقل. الأول يملك الوصول، والثاني يملك الأدوات، لكن كليهما يعمل داخل نفس الفراغ البنيوي: فراغ التوثيق. في هذا الفراغ، المعلومة موجودة، لكن السياق غير مكتمل.
وهذا الفراغ هو ما يجعل الحالة المصرية تبدو كأنها “لغز” ليس لأنها غامضة بطبيعتها، بل لأن المعرفة حولها لا تُبنى كنظام مفتوح قابل للفحص، بل كأجزاء متناثرة: معلومات بلا أرشفة، وتحليلات بلا مؤسسة، وذاكرة بلا توثيق.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: هل هذا الفراغ نتاج سياسة متعمدة لحجب السياق، أم نتيجة تراكمية لعجز بنيوي عن تحويل الخبرة إلى مؤسسة؟
في الحالة الأولى، نكون أمام دولة تخفي عمدًا منطق قرارها. وفي الحالة الثانية، أمام دولة لا تستطيع توثيق ما تفعله حتى لنفسها. كلا الاحتمالين مؤلم، لكن الثاني أكثر إيلامًا: لأنه يعني أن الذاكرة الوطنية تُفقد في لحظة تقاعد صاحبها، وأن كل جيل يعيد اكتشاف ما سبقه بدلاً من البناء عليه.
ربما هذا هو السر الحقيقي وراء كون مصر “لغزًا”: ليس لأنها معقدة جدًا بحيث لا تُفهم، بل لأنها غير موثقة بما يكفي لكي تُروى.
لا تكمن الإشكالية في ما نعرفه عن دولتنا، بل في ما لا يمكن تحويله إلى معرفة قابلة للبناء عليه. ليس لأن الداخل أقل معرفة، بل لأنه أقل توثيقًا. وهنا تحديدًا يبدأ الفارق بين دولة تُنتج معلومات… ودولة تُنتج نظام معرفة.