
تفاوض السمسار مع تاجر البازار؟!!
ميخائيل عوض / لبنان
لا يمكن فهم طبيعة التفاوض الدائر اليوم بين الولايات المتحدة وإيران إذا ما جرى التعامل معه كمسار دبلوماسي تقليدي تحكمه قواعد القانون الدولي أو بروتوكولات التوازن الكلاسيكي فما نطرحه يتجاوز هذا السطح ليضعنا أمام صدام أعمق: صدام بين نمطين في التفكير الاستراتيجي، ونموذجين في إدارة القوة، ورؤيتين متناقضتين لمعنى الزمن والربح والخسارة، بين أمة أصيلة تمتلك إرثا حضاريا” يمتد لآلاف السنين، ونموذج أنغلوساكسوني طارئ مبني على القرصنة والسيطرة على المال والثروات لم يحمل أي مشروع حضاري. هنا لا تكون الطاولة التفاوضية سوى امتداد غير معلن لساحة المعركة، ولا تكون اللغة سوى غطاء لميزان قوى يتشكل في الميدان ويُترجم في السياسة.
ضمن هذا الإطار، يأتي تشبيه “السمسار” و”تاجر البازار” كأداة تفسيرية مكثفة لفهم جوهر السلوك التفاوضي. فالتفاوض، وفق هذا المنظور، ليس عملية تبادل عروض، بل تجسيد حيّ لبنية القوة: من يملك أوراقاً حقيقية يفاوض بثبات ويشتري الوقت، ومن يفتقر إلى ذلك يلجأ إلى الضغط، التسريع، وإعادة تدوير الأزمات لتعويض النقص. ومن هنا، تصبح دراسة هذا التباين مدخلاً ضرورياً لفهم ليس فقط مآلات التفاوض، بل اتجاه التحول في النظام الإقليمي والدولي ككل.
*أولاً: مرحلتا النصر – من الصمود إلى فرض الشروط*
فالتحليل الثنائي لمفهوم النصر :
1. مرحلة إحباط أهداف العدو:
وهي المرحلة التي تم تحقيقها بالفعل، حيث:سقطت الأهداف المعلنة للحرب وفشل العدو في فرض وقائع جغرافية أو سياسية دائمة.
وبالمقابل تكيفت قوى المقاومة مع أدوات الحرب (القصف عن بعد، الاستنزاف)
2. مرحلة الاستثمار:
وهي المرحلة التي لم تُحسم بعد في هذه الحرب، وتتمثل في:
الانتقال من الدفاع إلى فرض الشروط، وترجمة الإنجاز العسكري إلى مكاسب سياسية
لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
إن الخطر لا يكمن في الهزيمة، بل في
العجز عن استثمار النصر.
*ثانيًا: الحرب كمنتج تاريخي – ولادة فواعل جديدة*
ونماذج تاريخية كبرى تؤكد أن الحروب الحاسمة لا تُقاس بنتائجها المباشرة على خرائط القتال، بل بما تُطلقه من ديناميات عميقة تعيد إنتاج القوة في النظام الدولي. فكما أن الحرب العالمية الأولى لم تنتهِ عند حدود انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، بل مهّدت لصعود الولايات المتحدة كقوة كونية خرجت من عزلتها، وكما أن الحرب العالمية الثانية لم تُختصر بهزيمة دول المحور، بل أفضت إلى تشكّل نظام ثنائي القطبية قوامه واشنطن وموسكو، فإن الحروب الكبرى – في جوهرها – تعمل كـ”أفران تاريخية” تُعيد صهر موازين القوى وتُنتج فاعلين جدداً لم يكونوا ظاهرين قبل اندلاعها.
انطلاقاً من هذا القياس، إن الحرب الراهنة يجب قراءتها بوصفها لحظة انتقالية، لا كجولة عسكرية منفصلة. فهي، أولاً، كشفت قوى كامنة كانت تعمل تحت السطح، سواء على مستوى الدول أو الفواعل غير الدولتية، وأظهرت قدرتها على التأثير في مسار الصراع. وهي، ثانياً، أطلقت فاعلين جدداً – سياسياً وعسكرياً وشعبياً – بدأوا يفرضون حضورهم في معادلة القرار، مستفيدين من الفراغات التي أحدثها العجز التقليدي للقوى الكبرى. وهي، ثالثاً، أعادت توزيع الأدوار الإقليمية والدولية، بحيث لم يعد بالإمكان الحديث عن مركز واحد مهيمن، بل عن شبكة معقدة من مراكز القوة المتداخلة والمتنافسة.
بهذا المعنى، إن ما يجري هو مجرد اختبار توازن بين أطراف متحاربة، بل بداية عملية إعادة تشكيل للنظام الإقليمي، قد تمتد آثارها إلى بنية النظام الدولي نفسه.
فالحرب هنا لا تُنهي مرحلة فحسب، بل تفتح أخرى، حيث تتغير قواعد الاشتباك، وتُعاد صياغة التحالفات، ويُعاد تعريف من يملك القدرة على الفعل والتأثير. وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في نتائجها الآنية، بل في كونها لحظة تأسيسية تُعيد رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للمنطقة، وتضع الأسس لمرحلة تاريخية جديدة لم تتبلور ملامحها بالكامل بعد.
*ثالثًا: عناصر القوة – ما استُخدم وما لم يُستخدم*
لا تُقرأ الحرب من زاوية ما استُخدم فقط، بل من زاوية الفجوة بين القدرة الكامنة والاستخدام الفعلي. ما ظهر في الميدان، وفق هذا المنظور، هو الحد الأدنى الضروري لتحقيق هدف المرحلة الأولى: منع العدو من فرض إرادته، لا استنفاد كامل القوة. لذلك، فإن ما شهدناه من حرب مقاومات شعبية متطورة في لبنان، وما رافقها من استنزاف منهجي للجبهة الداخلية الإسرائيلية، إلى جانب استهداف الأصول الأمريكية في الإقليم والتحكم النسبي بالممرات البحرية، لا يمثل ذروة القدرة، بل عيّنة مدروسة منها.
هذه الأدوات استُخدمت بذكاء تكتيكي لإرباك الخصم، كسر زخمه، وإجباره على الانتقال من موقع الهجوم إلى موقع الاحتواء، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تُستنزف فيها كل الأوراق دفعة واحدة.
النقطة المفصلية في الطرح تكمن في أن القوة الحقيقية تُقاس بما لم يُستخدم بعد. فوجود قدرات احتياطية – سواء على مستوى التسليح، أو مسارح العمليات، أو تعددية الجبهات – يعني أن ميزان القوة لم يصل إلى حالة التشبع أو الاستهلاك النهائي. هذا يخلق معادلة ردع مركّبة: الخصم لا يواجه ما يراه فقط، بل ما يُحتمل أن يظهر لاحقاً. ومن هنا، تتحول الضبابية المقصودة إلى عنصر قوة بحد ذاته، لأنها تُبقي العدو في حالة تقدير دائم لأسوأ الاحتمالات.
بناءً على ذلك، إن المرحلة القادمة لا يمكن قراءتها بمنطق الاستمرارية الخطية. فطالما أن ميزان القوة لم يُستنفد، فإن أي جولة مقبلة مرشحة لأن تكون نوعية لا كمية: انتقال في طبيعة الأدوات، اتساع في الجغرافيا، أو انخراط فواعل لم تدخل بكامل ثقلها بعد. وهذا يعني أن التصعيد المحتمل لن يكون تكراراً لما سبق، بل إعادة تعريف لقواعد الاشتباك نفسها. في هذا السياق، تصبح إدارة القوة – وليس امتلاكها فقط – هي العامل الحاسم: متى تُستخدم، وأين، وبأي سقف، لتحقيق أقصى أثر بأقل كلفة.
الخلاصة أن ما تحقق حتى الآن هو استخدام محسوب لقوة جزئية بهدف تحقيق توازن ردع، بينما تُترك بقية الأوراق كاحتياط استراتيجي لجولات لاحقة. وهذا ما يجعل المشهد مفتوحاً: ليس لأن الأطراف عاجزة عن الحسم، بل لأن الحسم لم يُستدعَ بعد بكامل أدواته.
*رابعًا: وقف إطلاق النار – مناورة لا نهاية*
بانتظار الساعات الاخيرة لهدنة وقف إطلاق النار وما إذا كانت ستنتهي بخيار عودة الاشتباك ، إن وقف النار لا يُفهم كخاتمة طبيعية لمسار عسكري، بل كـ مناورة اضطرارية فرضتها شبكة ضغوط متعددة المستويات، داخلية وخارجية، أجبرت الطرف الأمريكي على التقاط أنفاسه وإعادة التموضع. فالحرب – كما يطرح – لم تصل إلى نقطة الحسم، بل إلى نقطة اختناق سياسي–استراتيجي باتت فيها كلفة الاستمرار أعلى من القدرة على التحمل، ليس فقط ميدانياً، بل على مستوى النظام الدولي والبيئة الداخلية للدول المنخرطة فيها.
أول هذه الضغوط يتمثل في تحولات المزاج الشعبي العالمي، حيث لم تعد الرواية الغربية قادرة على احتكار تفسير الحرب أو تبرير كلفتها الإنسانية، ما أضعف الغطاء الأخلاقي والسياسي لاستمرارها. يضاف إلى ذلك مواقف دول إقليمية وازنة بدأت تميل إلى احتواء التصعيد بدل الانخراط فيه، خوفاً من تداعياته على استقرارها ومصالحها الحيوية. أما على المستوى الدولي، فقد برز دور الصين وروسيا كقوتين ضاغطتين، ليس بالضرورة عبر التدخل المباشر، بل من خلال إعادة تشكيل بيئة التوازن الدولي بما يقيّد حرية الحركة الأمريكية ويفرض عليها حسابات أوسع من ساحة الحرب نفسها.
لكن العامل الأكثر حسماً،، يكمن في الأزمة الداخلية الأمريكية، حيث تتقاطع السياسة الخارجية مع الحسابات الانتخابية والاقتصادية. هنا يظهر وضع ترامب بوصفه نموذجاً لقيادة مضغوطة من الداخل: يواجه كونغرساً قابلاً للتمرّد على قرارات الحرب، واستحقاقات انتخابية تفرض عليه تقليص الأكلاف لا توسيعها، إضافة إلى تراجع في الشعبية مرتبط مباشرة بتداعيات الحرب على الاقتصاد، خصوصاً التضخم وأسعار الطاقة. في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار أداة لإدارة الأزمة الداخلية بقدر ما هو إجراء عسكري خارجي.
انطلاقاً من ذلك، إن الهدنة ليست سوى تعليق مؤقت للصراع، تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق، استيعاب الضغوط، ومحاولة تحسين شروط الجولة التالية. فهي لا تعكس توازناً مستقراً، بل توازن قلق، يمكن أن ينكسر مع أي تغير في المعطيات. وعليه، فإن فهم وقف إطلاق النار كـ”نهاية” هو خطأ تحليلي؛ الأصح أنه مرحلة انتقالية داخل صراع مفتوح، حيث تستمر الحرب بأدوات أخرى: تفاوض، ضغوط، إعادة تموضع، وانتظار اللحظة المناسبة لاستئناف الاشتباك بشروط مختلفة.
*خامسًا: الانقلاب على الهدنة في لبنان – محاولة تعويض الهزيمة*
إن وقف إطلاق النار، لم يُترجم إلى التزام فعلي على الأرض في لبنان، بل تحوّل إلى مساحة مناورة حاولت خلالها إسرائيل تعويض عجزها العسكري بفرض وقائع سياسية–ميدانية: توسيع نطاق السيطرة، تثبيت خطوط تماس جديدة، والسعي إلى تفجير الداخل على أمل أن تُنجز الفتنة ما عجزت عنه الحرب المباشرة. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بثلاثة محددات حاسمة: تماسك البيئة الداخلية الذي حال دون الانزلاق إلى اقتتال، استمرار وحدة الجبهات بما منع عزل أي ساحة واستفرادها، وثبات معادلة الردع التي بقيت فاعلة رغم الضغوط.
عند هذه النقطة، يبرز التحول في قلب المشهد: انتقال مبدأ “وحدة الجبهات” من كونه أداة ميدانية إلى عقيدة تفاوضية ملزمة. أي أن التفاوض لم يعد قابلاً للتجزئة أو الفصل بين ساحات مثل لبنان وإيران وغيرها، بل بات انعكاساً مباشراً لوحدة الصراع وترابط مسارحه.
هذا التحول،، يحمل دلالة فرط استراتيجية لأنه يقلب قواعد اللعبة التقليدية التي طالما اعتمدت على تفكيك الملفات وعقد صفقات منفصلة تُستدرج عبرها التنازلات تدريجياً. فحين تتوحد الجبهات في التفاوض، تتعطل آليات الابتزاز القائمة على عزل كل جبهة، وتُرفع كلفة أي خرق أو تصعيد لأنه يرتد تلقائياً على كامل المنظومة لا على طرف بعينه. بذلك، تصبح أي محاولة لفرض أمر واقع في نقطة جغرافية محددة محكومة بسقف رد أوسع، وتفقد جدواها كأداة لتحسين الشروط التفاوضية.
ومن هنا إن ما جرى لا يقتصر على فشل تكتيكي في استثمار الهدنة، بل يؤسس لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف التفاوض نفسه: من مسار قابل للتجزئة إلى بنية موحّدة تحكمها موازين قوى مترابطة، وهو ما يشكّل—وفق توصيفه—انقلاباً تاريخياً على النموذج العربي التقليدي في إدارة الصراع والتفاوض.
*سادسًا: إيران ثبات الشروط*
في قراءتنا، يتبدّى السلوك التفاوضي الإيراني كمنظومة متماسكة تقوم على إدارة الصراع عبر الزمن لا القفز إلى تسويات سريعة. فقرار طهران رفض التفاوض تحت الحصار ليس موقفاً دعائياً، بل قاعدة عمل تُعيد تعريف شروط الدخول إلى الطاولة: لا تفاوض قبل تعديل البيئة الضاغطة ووقف العنجهية الأمريكية ورفع الحصار عن إيران.
ومن هذا المنطلق، يأتي التمسك الصارم بالشروط المعلنة كآلية لتثبيت سقف لا يُكسر، فيما يشكّل رفض الاستعجال أداة استراتيجية بحد ذاته، لأن الزمن هنا يتحول من عامل ضغط إلى مورد يُستثمر.
هذا السلوك بأنه براغماتي وحسابي: براغماتي لأنه يتجنب الشعاراتية ويقيس كل خطوة بمردودها، وحسابي لأنه يربط الإيقاع التفاوضي بمؤشرات القوة الفعلية في الميدان والسياسة، لا بالضجيج الإعلامي.
ضمن هذه الرؤية، تراهن طهران على معادلة تراكمية ثلاثية: أولاً، تآكل الموقف الأمريكي داخلياً مع امتداد كلفة الحرب سياسياً واقتصادياً، وهو ما يضع إدارة ترمب تحت ضغط الكونغرس والاستحقاقات الانتخابية. ثانياً، تعاظم الضغوط السياسية على واشنطن من حلفاء وخصوم على حد سواء، بما يقيّد هامش المناورة ويُجبرها على البحث عن مخارج أقل كلفة. وثالثاً، تغيّر موازين القوى بمرور الوقت عبر تثبيت الوقائع الميدانية وتوسيع شبكة الأوراق، بحيث يصبح أي اتفاق لاحق انعكاساً لميزان قوة مُحسّن مقارنةً بلحظة البدء.
وبهذا المعنى، لا تنظر إيران إلى التفاوض كحدث، بل كـ مسار ممتد تُدار مراحله بإيقاع محسوب: تجميد حيناً، تصعيد حيناً، وانخراط مشروط حيناً آخر، بما يضمن أن يأتي أي تفاهم في نهاية المطاف كتتويج لتراكم القوة لا بديلاً عنها.
*سابعًا: التفاوض بين السمسار وتاجر البازار*
في توصيف دقيق، لا يجري توصيف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة بوصفه مواجهة دبلوماسية تقليدية، بل كصدام بين عقلين اقتصاديين–حضاريين مختلفين جذرياً: عقل “السمسار” مقابل عقل “تاجر البازار”. هذا التحليل يحمل دلالة استراتيجية عميقة تتصل بطبيعة القوة، وطريقة إدارتها، وكيفية تحويلها إلى مكاسب سياسية.
عقل “السمسار الأمريكي” – هو عقل إدارة صفقات لا إنتاج قيمة. السمسار، في بنيته، لا يملك السلعة، بل يملك القدرة على تدويرها، تسويقها، والمناورة بها بين الأطراف. هذا ينعكس في السلوك التفاوضي الأمريكي الذي يقوم على: الضغط، التسعير، إعادة التسعير، ثم القفز بين الخيارات وفق مبدأ “أفضل صفقة ممكنة الآن”.
لذلك، فإن هذا العقل يتسم بعدة خصائص: أولها الاستعجال الزمني، لأن السمسار يعمل ضمن دورات قصيرة مرتبطة بالسوق، الانتخابات، أو المزاج العام؛ وثانيها المرونة الانتهازية، حيث لا توجد ثوابت بل خطوط متحركة؛ وثالثها التفاوض تحت الإكراه، عبر العقوبات أو الحصار أو التهديد، باعتبارها أدوات لرفع سعر الصفقة.
في هذا السياق، يظهر سلوك ترمب كنموذج مكثف لهذا العقل: رجل صفقات يعتقد أن كل شيء قابل للبيع والشراء، وأن الضغط الأقصى يولّد تنازلات سريعة.
في المقابل، فإن “تاجر البازار الإيراني” كعقل مختلف نوعياً، لا كمجرد نقيض. تاجر البازار لا يبيع ما لا يملك، بل يدخل التفاوض وهو مُحمّل ببضاعة حقيقية: أوراق قوة ميدانية، صبر استراتيجي، شبكة حلفاء، وقدرة على الاحتمال. هذا العقل لا يعمل ضمن زمن قصير، بل ضمن ما يمكن تسميته “الزمن التراكمي”، حيث تصبح المفاوضات امتداداً للحرب بوسائل أخرى، لا بديلاً عنها. لذلك، فإن سلوك هذا العقل يتسم بـ: البرودة الزمنية (عدم الاستعجال)، التثبيت المرحلي للمكاسب (عدم التنازل قبل ترسيخ الوقائع)، والاشتغال على ميزان القوى لا على اللغة التفاوضية. بمعنى آخر، الإيراني – في هذا النموذج – لا يتفاوض ليصل إلى اتفاق، بل ليفرض معادلة، وإذا لم تنضج شروطها، فإنه يؤجل ولا يخسر.
الاختلاف الجوهري بين العقلين يظهر في مفهوم القيمة نفسها. السمسار الأمريكي يرى القيمة في “الصفقة” ، أي في لحظة التبادل نفسها: ماذا أخذت وماذا أعطيت الآن. أما تاجر البازار الإيراني فيرى القيمة في “المسار” ، أي في تراكم المواقع وتحسين الشروط عبر الزمن.
لذلك، بينما يسعى الأول إلى إغلاق الملف بسرعة، يعمل الثاني على إبقائه مفتوحاً حتى ينضج بالكامل. هذا ما يفسر،، لماذا تندفع واشنطن إلى إعلان اتفاقات أو هدنات ثم تحاول تعديلها لاحقاً، بينما تصر طهران على تثبيت الشروط قبل أي انتقال.
كذلك، يختلف الطرفان في علاقة التفاوض بالميدان. السمسار يفصل نسبياً بين التفاوض والقوة، فيعتقد أن بالإمكان تعويض الفشل الميداني بمهارة تفاوضية أو ضغط سياسي. أما تاجر البازار فيربطهما عضوياً: الميدان هو الذي يتكلم داخل غرفة التفاوض. لذلك، فإن أي خلل في ميزان القوة لا يمكن تغطيته بلغة أو مناورة، بل يحتاج إلى تعديل فعلي على الأرض. من هنا، تصبح المفاوضات عند الإيرانيين مرآة دقيقة لموازين القوى، لا مساحة لتزييفها.
البعد الأعمق يتجلى في أن هذا الصدام ليس فقط بين دولتين، بل بين نموذجين في إدارة الصراع العالمي:
نموذج أمريكي متأثر بثقافة السوق المالية، حيث السرعة، المخاطرة، وإعادة التدوير السريع للأزمات.
ونموذج إيراني–شرقي أقرب إلى تقاليد التجارة التاريخية، حيث الصبر، المساومة الطويلة، وبناء الربح التراكمي.
ولهذا، فإن نتيجة التفاوض لا تُحسم بمهارة الخطاب، بل بقدرة كل طرف على تحمل الزمن.
السمسار يخشى الوقت لأنه يرفع الكلفة ويكشف محدودية أدواته، بينما تاجر البازار يستثمر الوقت لأنه يراكم أوراقه ويُرهق خصمه. وفي هذه النقطة تحديداً، إن ميزان التفوق يميل لمن يستطيع تحويل الزمن إلى حليف لا إلى عبء.
ولأن السمسار هو الذي يعمل بإمرة تاجر البازار لا العكس ما يجري ليس مجرد تفاوض، بل اختبار لإرادتين:
إرادة تسعى إلى فرض صفقة سريعة قبل أن تتآكل قوتها، وإرادة تعمل على إدارة صراع طويل حتى تفرض شروطها كاملة. وبين الاثنين، لا تكون الطاولة سوى امتداد خفي لساحة المعركة، حيث يتكلم من يملك “البضاعة” فعلاً، لا من يجيد بيع الوهم.
في المحصلة، إن التفاوض القائم ليس معركة شروط فحسب، بل معركة أنماط تفكير وإرادات تاريخية. عقل “السمسار” يسعى إلى حسم سريع يجنّبه كلفة الزمن وتآكل النفوذ، فيما عقل “تاجر البازار” يدير الصراع بوصفه عملية تراكمية طويلة، حيث كل جولة – سواء كانت حرباً أو هدنة أو تفاوضاً – تُستخدم لتعزيز الموقع وتحسين الشروط. وبين هذين النمطين، يتحدد مصير المرحلة.
الأهمية الاستراتيجية لهذا التشخيص تكمن في أنه ينقل النقاش من سؤال “من سيربح التفاوض؟” إلى سؤال أعمق: من يمتلك القدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها؟ فإذا نجح النموذج الإيراني في فرض منطقه القائم على الصبر، وحدة الجبهات، وربط التفاوض بالميدان، فإننا نكون أمام بداية انتقال تدريجي نحو نظام أقل خضوعاً للإيقاع الأمريكي. أما إذا تمكنت الولايات المتحدة من استعادة زمام المبادرة وفرض إيقاعها السريع القائم على الصفقات، فإنها ستعيد إنتاج هيمنتها بصيغة معدّلة.
لكن المؤكد، وفق هذا المنظور، أن ما بعد هذه المرحلة لن يكون استمراراً لما قبلها. فالحرب وما تلاها من تفاوض قد أطلقت ديناميات يصعب احتواؤها، وأعادت تشكيل وعي الأطراف بقوتها وحدودها. وعليه، فإن النتيجة النهائية لن تُحسم فقط على طاولة المفاوضات، بل في قدرة كل طرف على تحويل الزمن، الميدان، والتحولات الدولية إلى عناصر قوة متراكمة. هنا تحديداً، يتقرر إن كان التفاوض سيُنتج صفقة عابرة، أم سيفتح الباب أمام تحول استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم.
🖊 ميخائيل عوض