كتاب وشعراء

خط خائف…بقلم سعد بلو

وقفتُ أمامَ طلابي

والسبورةُ خلفي كجدارِ سجنٍ قديم،

أشرحُ درسَ الخطوطِ المستقيمة،

وكأنّي أشرحُ فكرةً لا تعيشُ هنا طويلاً.

قلتُ لهم:

هذا خطٌّ لا ينحني…

لكنّي كنتُ أعرفُ

أنّ كلَّ شيءٍ هنا

يتعلّمُ الانحناءَ قبلَ أن يتعلّمَ الوقوف.

كان الهواءُ ثقيلاً،

حتى الطباشيرُ

تتردّدُ قبل أن تكتبَ اسماً واضحاً.

رفعَ طفلٌ يده،

وفي صوتهِ ارتباكُ وطنٍ صغير:

لماذا هذا الخطُّ منحني؟

توقّفتُ.

وشعرتُ أن السؤالَ

ليس عن خطٍّ على السبورة،

بل عن كلِّ شيءٍ

انحنى دون أن يُسأل.

قلتُ:

يا ولدي…

هذا خطٌّ

مرّت عليه يدٌ خائفة،

أو سلطةٌ لا تحبُّ الاستقامة،

أو زمنٌ

يُعاقِبُ المستقيمَ لأنه مستقيم.

هنا…

لا يُكسرُ الخطُّ فجأة،

بل يُدرَّبُ على الانحناء

كما يُدرَّبُ الناسُ على الصمت،

كما تُدرَّبُ الحقيقةُ على التنكّر.

في بلادٍ

إذا وقفَ فيها الخطُّ مستقيماً

اتهموهُ بالتمرّد،

وإذا انحنى

قالوا: أصبحَ صالحاً للعيش.

اقتربَ الطفلُ أكثر،

وكأنّه يريد أن يلمسَ السؤالَ بيده،

وقال:

ومتى يعودُ الخطُّ كما يجب؟

نظرتُ إلى عيونهم…

رأيتُ خطوطاً صغيرةً

تتشكّلُ داخلها

لم تُكتب بعد.

وقلتُ بصوتٍ

يشبهُ وعداً لا يجرؤ على نفسه:

حين يتوقفُ الخوفُ عن تعليمِ الأشكال،

وحين لا يُطلبُ من القلمِ

أن يوقّعَ على انحنائه،

وحين يكبرُ جيلٌ

لا يرى في الاستقامةِ جريمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى