
حين يتكلم الوطن..
الوطن:
يا ابنتي…
أمازلتِ تحملين مفتاح الدار في حقيبة السفر؟
أمازالت رائحة الياسمين تعرف اسمك؟
لقد مرّت على أعتابي مواسمُ وجعٍ طويلة،
وتكسّرت على نوافذي ضحكاتُ الأطفال،
لكنَّني… ما نسيتُ وجوهكم يوماً.
كلُّ حجرٍ في دروبي يسأل عنكم،
وكلُّ زيتونةٍ تمدّ أغصانها نحو الجهات الأربع،
علّها تلمس كفَّ غريبٍ يقول:
هنا كان بيتي.
سفيرة الزيتون
يا وطني…
لم أتركك اختياراً،
بل لأنَّ الخوف صار يطرق باب طفولتي كلَّ صباح.
خرجتُ أحمل أمِّي بدموعها،
وأبي بصمته،
وأطفالي بأسئلتهم التي لم أجد لها جوابًا.
في المنافي تعلّمتُ أن للبرد لغةً لا تشبه بردك،
وأنَّ الغربة لا تُقاس بالمسافات،
بل بعدد المرَّات التي نكتم فيها اسم الوطن،
كي لا تنهار الدموع أمام الغرباء.
كنتُ كلما رأيتُ شجرةً…
بحثتُ فيها عن زيتونك،
وكلما شممتُ عطرًا…
قلتُ: لعلّه مرّ يوماً من دمشق،
أو عبر سهول حلب،
أو لامس ياسمين حمص،
أو غسلته أمواج اللاذقية.
الوطن:
لا تعتذري…
فالذين حملوا وجع الرحيل،
هم شهودُ المرحلة.
وأنتم مدادُ التاريخ،
وأنتم بذورُ الحبِّ التي لم تمت رغم قسوة الفصول.
علّموا العالم أنَّكم أبناءُ السلام،
وأنَّ سورية لم تكن يوماً إلا حضناً للحضارات،
وأنَّها كانت ومازالت:
بستانَ قمحٍ،
وشجرةَ زيتونٍ،
وتفاحةً تنضج على كتف الجبل،
وقلماً يكتب كرامة الإنسان قبل أيِّ شيء.
سفيرة الزيتون
وهل سنعود؟
هل ستعرفنا الطرقات بعد أن شاب الانتظار في أعيننا؟
هل ستفتح لنا النوافذ ذراعيها؟
وهل ستقول لنا الأرض: تأخَّرتم… لكنَّكم عدتم؟
أيُّ دموعٍ ستسبقنا؟
دموع الفرح؟
أم دموع السنوات التي ضاعت من أعمارنا؟
سأركع على ترابك،
لا لأبكي…
بل لأقبّل الأرض التي علّمتني
أنَّ الإنسان قد يبتعد عن وطنه،
لكن الوطن لا يبتعد عن الإنسان.
الوطن:
عودوا…
لا تحملوا معكم سوى المحبَّة،
فالكراهيَّة لا تبني بيتاً،
ولا تعيد طفولةً،
ولا تزرع حقلاً.
ازرعوا شتلة زيتون،
واكتبوا بالحرف حياةً جديدة،
وارفعوا قلماً يُرمِّم الذاكرة،
فالأوطان تُبنى كما تُبنى الأرواح:
بالنور لا بالوجع فقط.
وحين نلتقي…
لن نسأل أين كنتم،
بل سنسأل: كيف صبر القلب كلَّ هذا الغياب؟
وحين نعود…
سيعرفنا الياسمين من جديد،
وتفتح الأرض ذراعيها كأمٍّ لم يغب عنها أبناءُها يوماً.
فاللقاء ليس عودةً إلى مكان…
بل عودةُ الروح إلى نفسها.
بقلم الروائية السورية
هيفاء البربجاوي