
-قراءة انطياعية
رواية ” زوربا اليوناني ” من مؤلفات الكاتب اليوناني نيكوس كازا نتزاكيس وقد صدرت له سنة 1946 , بطليها قيل بأنهما كان موجودين وهما الكسيس زوربا وهي شخصيته واقعية عرفت باسم ” جيورجنس زورباس ” وكان رجل كبير السن واجتمعت فيه الكثير من مصاعب الدنيا وعلى رأسها الفقر والأميّة , وهما كانا الكفيلين بأن يجعل من هذه الشخصية متمتعة بحكمة حياة وأعماق مليئة بفطرة في غير اصطناع وإقبال على الحياة وصخب الأحداث والموسيقي وتجاوزاً في غير وجل لحدود حرية تجعله في تناول لصور وجود رآها مستحقة له فكان النتاج هذا الإنسان الذي كان محورياً في أحداث روية عنه , و” باسيل ” ولقبه الرئيس وعرف واقعياً بأسم ” كازانتراكيس ” وهو شاب ميسور وكان في مقتبل العمر ويمتلك سعة من ثقافة الكتب وروح الشعر لكنه ايضاً كان في افتقاد لأشياء امن بفقدانها في ذاته كحرية منشودة وفلسفة حياة لم تكتمل صورتها , وفي جزيرة ” كريت ” يلتقي بزوربا الذي رأى فيه ضالته المنشودة بعد اجتماعه به والاصغاء لفلسفة الحياة التى يؤمن بها ,
وعودة لمتن الرواية سنجد أن جيورجنس زورباس أو ” زوربا ” هو رجل التقى بالمصادفة بالشخصية الثانية والمحورية ” باسيل ” أو ” كازانتراكيس ” بالقرب من جبل آثوس كان ذلك في سنة 1914 حيث ربطتهما علاقة وطيدة وصداقة مميزة وفي عام 1917 , وكان كازانتراكيس لديه عقد ايجار لمنجم في مقاطعة ” براستوفا ماني ”
وما ميزّ الرواية هي تلك الفلسفة العميقة التى كان المؤلف يرسالها الى فكر المتلقي عبر الشخصيتين المؤثرتين فباسيل هو مجموعة الإنسان الذي يعيش في قالبه الانساني بأدوات وحواس جلية والذي كان في تأرجح ما بين ثوابت عاشها وتجاوز برؤى مخالفة ابتغي معايشتها وخوض التجربة من خلالها وأن ظل مبدأ الخلاص والمعرفة المكتسبة في تجاور معه
وفي الجانب الآخر كان ” زوربا ” هذا الإنسان الذي عاش الحياة كيفما جاءت فأستنزف حدودها وعبث بمحظوراتها وتقلّب بين مفاهيمها واعتمد لحرية غير محدودة نهج وطريق وكأن العبثية تطل برأسها بين الحين والآخر معلنة وجودها عبره , وربما رأى في أن ما توافر لباسيل من تجربة حياتيه او معرفة مكتسبة ما هي الا عائق امام الانطلاق نحو أفاق أخرى أوسع وأرحب , حتى أن الفلسفة وهي فرع من المعرفة المكتسبة لدى باسيل ما هي الا عائق لاطائل منه كونها نظرية وليست منهج عملي يستطع من خلاله الانسان ان يتمتع بلحظات وجوده دون عائق
هذا الاستعراض لا يغنى عن نقل جانب من الحوارات بين الرجلين يقول زوربا في عدة مواضع في الرواية :-
الطريقة الوحيدة لإنقاذ نفسك هي أن تناضل لإنقاذ الآخرين
أنت تقرأ الكتب، لكنك لا تقرأ الحياة-
-إن المرأة الحقيقية تتمتع باللذة التي تمنحها أكثر من تمتعها باللذة التي تأخذها من الرجل
يا سيدي، لديّ الكثير لأخبرك به لكن لساني لا يُجيد التعبير عنه… لذا سأرقصه-
الذي يصلي بصدق لن تراه-
-نعم. لا تستطيع قطرة البحر إلا أن تكون في أعماق الموج
-هل تعتقد أنني أصلي صلاة شحاذ وضيع يتذلل من أجل أطماعه و مخاوفه؟ بل أصلي كرجل
ونقرأ لباسيل :
لا أراك تصلي يا زوربا-
هل معنى هذا أنك تصلي؟-
ولكن كيف تصلي؟-
وكيف يصلي الرجال؟-
وسوف لن نأتي بجديد حيث أشار بعض النقاد إلى ان شخصيتي الرواية كانت لها علاقة جدلية على المستويين النفسي والنقدي بإحداث تراجيدية معلومة وهي رواية ” اوديب ” فيما تعلق بصراع ازلي كان ولازال بين الإنسان ووجوده وقدره , وشخوص مسرحية هاملت لشكسبيرفي تفاعلها البشري وسؤال الحياة وخواتم الموت وطبيعة الوجود وفكرة النهايات ونحن بذلك في حاضرة زوربا بكل أبعادها وإن كان في مشهدية الحادية في بعض المواطن تعبيرا عن مفاهيم حياتي معاشة في غير رضى منه , وزوربا المسكون بروح الفنان الراقص والمطلّ على باحة الحياة من باب تفتحّ على براح غير متناهية
وفي المجمل فأن الرواية برمتها في جنوح الى براح الوجودية تلك التى تعنى بفلسفة الحرية التي رصدت الإنسان على اساس انه المخلوق الحر الذي لا تقيده تقاليد أو حدود دينية او اجتماعية وهذا ماكان من مضمون أراده المؤلف كون انه في رأي قائل بأن الحياة برمتها هي خيار يعود للشخص تجسد عبر حضور زوربا الروائي
لهذا كان ذاك اللقاء كان في جانب فلسفي مميزّ فزوربا القروي والأميّ كان يحتفي بكل تفاصيل حياته الواقعية وظل محتفظاً بنظرة قالت بأن الحياة ماهي إلا فرصة من المهم أن يحتفل بها كما هي وأن القناعة في هذا الجانب إنما كان لواقع عقلاني ظل يزنّ الأمور كما في واقعا ويتقبلها بكل ألوانها دونما محاولة للاحتجاج كونها أمر واقع لامفر منه وأن هذا الإقرار هو في تفاعل وتوازن مدهش في تفاصيل الحياة ذاته وفي جانب العاطفة لديه , وهذا ما يخلق ذلك الاختلاف الواضح بينه وبين المثقف باسيل الثري والمتعلم القادم من المدينة والذي نجده في موطن لاحق من المواقف حتى
أن الجدال القائم بينهما أوصل باسيل الى نوع من القناعة المكتسبة على ان ما يمكن ان يكون إخفاق ربما سينعكس بشكل ايجابي عند التسليم بنتائج المعطى وإن الأهم من ذلك هي حرية الذات والروح التي ترتقي فوق مستوى المفهوم المادي المؤقت وهذه نقطة تحول مميزة وكبيرة حين نرى كيف أثرت روح زوربا الذي مارس الحياة بطبيعتها وواقعيتها ونقاؤها في روح باسيل الذي كان خاضعا لمبدأ عقلي بعث في ثناياه السؤال كونه جاء في مخالفة , وجديدة عن مفهومه حنما كان الحديث عن الجسد والأرض والنشوة والحواس والانفعالات
لكنه وفي النهاية زوربا كن الإنسان اولاً واخيراً برهافة لاتغادره لكنها تظل وراء باب موارب تطل برأسها من حين لآخر في موضع ما.