
قصة قصيرة
كان لي صديق في سنوات المدرسة الأولى، اسمه سامح، وكان من أولئك الذين يضحكون بعيونهم قبل أفواههم. لم يكن يفارق والده كثيرًا، حتى إننا كنا نسخر منه أحيانًا ونقول له: “أبوك سيأتي معك حتى حصة الألعاب.”
فيضحك، ويقول بفخر: “ولِمَ لا؟ إنه صاحبي الوحيد الذي لا يخذلني.”
ثم مات أبوه فجأة.
أتذكر يوم العزاء جيدًا، كانت السماء غائمة على غير عادة الصيف، وبيتهم مكتظًا بالرجال والهمسات ورائحة القهوة الثقيلة. ذهبت وأنا أرتدي ملابس المدرسة تقريبًا، لا أعرف لماذا كنت أشعر أن دخولي البيت سيجعلني أكبر بعشر سنوات دفعة واحدة.
وما إن جلست دقائق حتى أخذتني والدته جانبًا. كانت عيناها متورمتين من البكاء، لكنها كانت تحاول التماسك كمن يحمل بيتًا كاملًا فوق كتفيه.
قالت بصوت خافت: “هو يحبك ويسمع كلامك… تحدث معه يا بني. منذ مات أبوه وهو لا يتكلم مع أحد.”
هززت رأسي بثقة كاذبة، بينما داخلي كان فارغًا تمامًا.
دخلت إليه الغرفة، فوجدته جالسًا على طرف السرير، ينظر إلى الحائط كأن شيئًا ما كُتب عليه ولا يراه سواه. جلست بجانبه، وانتظرت أن أقول شيئًا حكيمًا، شيئًا يليق بالموت والفقد والرجولة المبكرة.
لكن لساني انعقد.
كل ما خطر ببالي بدا سخيفًا وباردًا وعديم المعنى.
وفجأة انهار سامح. انحنى على ركبتيه وارتفع صوته بالبكاء، ذلك البكاء الخام الذي لا يشبه دموع الأطفال، بل يشبه سقوط بيت كامل في قلب إنسان صغير.
وفي تلك اللحظة دخلت والدته تحمل صينية الشاي.
نظرت إليه يبكي، ثم رفعت عينيها نحوي، وكأنها تسألني: “ألهذا أرسلتك؟”
أما أنا، فتظاهرت باهتمام عظيم بنقوش السجادة، أعدّ أشكالها الهندسية هربًا من عينيها ومن عجزي.
خرجت يومها وأنا أشعر بالفشل.
وقلت لنفسي: لا بأس… سأكبر يومًا، وسأتعلم الكلمات المناسبة لمثل هذه اللحظات.
لكن العمر مرّ سريعًا.
كبرت، وحضرت عزاءات كثيرة، وأفراحًا كثيرة، وولادات ووداعات، ورأيت رجالًا يبكون سرًا ونساء يبتسمن وقلوبهن مكسورة. سمعت خطبًا طويلة عن الصبر، وحكمًا محفوظة تُقال كأنها واجب اجتماعي، واكتشفت بعد سنوات الحقيقة البسيطة التي لم أفهمها وأنا طفل:
الكلمات لا تنقذ أحدًا.
لا شيء يعوض الغائب. ولا جملة مأثورة تُرمم قلبًا مكسورًا.
كل ما يحتاجه الإنسان أحيانًا… هو ألا يبكي وحده.
ومرت الأعوام حتى نسيت القصة تقريبًا.
إلى أن جاءني اتصال في منتصف ليلة شتوية: أمي في العناية المركزة.
ذهبت إلى المستشفى وأنا أرتجف من الداخل. كان الممر باردًا بشكل مؤلم، والوجوه شاحبة، وكل شيء يلمع برائحة المطهرات والخوف.
جلست وحدي أمام الباب، عاجزًا عن التفكير، تمامًا كما كان سامح يوم مات أبوه.
وفجأة شعرت بيد توضع على كتفي.
رفعت رأسي، فإذا به سامح.
لم يقل: “ستكون بخير.” ولم يحدثني عن الصبر ولا القضاء والقدر.
فقط جلس بجانبي بصمت.
ولما غلبتني دموعي، تركني أبكي، ثم ناولني كوب شاي بيد مرتجفة تشبه يد أمه قبل سنوات طويلة.
حينها فقط فهمت ما الذي كان ينبغي أن أفعله معه في تلك الغرفة القديمة.
لم يكن يريد مني كلامًا… كان فقط يريد ألا يبقى وحده.