
بين رواية الهروب وفرضية الاغتيال !!
د . محمد سيد أحمد / مصر
ترددت كثيراً قبل الشروع في كتابة هذا المقال، ليس خوفاً من طرح الفكرة بحد ذاتها، بل إدراكاً لحساسية الموضوع وتشابك أبعاده، وما يحيط به من مشاعر وانطباعات متباينة. فالقضية لم تعد مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحولت إلى مساحة مشحونة بالعاطفة، يصعب فيها أحياناً التمييز بين ما نريده أن يكون صحيحاً وما يمكن إثباته فعلاً. ومع ذلك وجدت أن الصمت لا يضيف وضوحاً، وأن أفضل ما يمكن تقديمه هو محاولة جادة للابتعاد عن الانحيازات المسبقة، وتغليب صوت العقل على ضجيج العاطفة. لذلك يأتي هذا المقال كمحاولة لقراءة الموضوع قراءة موضوعية، تستند إلى المنهج العلمي الذي لا يعترف إلا بالدليل والبرهان، ولا يمنح اليقين إلا لما يمكن التحقق منه بعيداً عن الظنون والتخمينات.
منذ اللحظة التي غاب فيها الرئيس السوري بشار الأسد عن المشهد العام، بدأت تتشكل روايات متضاربة حول مصيره، أبرزها رواية “الهروب إلى روسيا”، في مقابل فرضية أخرى ترى أنه قتل داخل دمشق وتم إخفاء الأمر لأسباب سياسية معقدة. وبين هاتين الروايتين، يقف العقل حائراً، لا منحازاً ولا مسلماً، بل مطالباً بدليل واضح لا يحتمل التأويل أو التلاعب.
إن المنطق البسيط، الذي يفترض أن يكون أساس أي نقاش جاد، يقول إن الادعاءات الاستثنائية تحتاج إلى أدلة استثنائية. ورواية بحجم “هروب رئيس دولة من بلاده في ظروف غامضة” ليست خبراً عادياً يمكن تمريره عبر بيان مقتضب أو تسريب إعلامي. بل هي حدث مفصلي يتطلب توثيقاً مباشراً، بالصوت والصورة، يبدد الشكوك ويغلق باب التأويل. ومع ذلك، فإن ما قدم حتى الآن – وفق هذا الطرح – لا يرقى إلى مستوى هذا الحدث.
تعتمد رواية الهروب في جوهرها على بيانات رسمية وتصريحات غير مباشرة، وهي أدوات قد تكون كافية في الظروف الطبيعية، لكنها في سياق صراع معقد وطويل مثل الحالة السورية، تصبح موضع تساؤل مشروع. فالتاريخ السياسي المعاصر مليء بأمثلة تم فيها استخدام الإعلام لتوجيه الرأي العام أو إخفاء أجزاء من الحقيقة. لذلك فإن التسليم المطلق بهذه الرواية دون دليل حسي مباشر يبدو، بالنسبة للبعض، قفزة غير مبررة.
في المقابل، تطرح فرضية مقتل الأسد نفسها كقراءة بديلة، تستند إلى مؤشرات يراها أصحابها “منطقية”: غياب تام عن الظهور، صمت غير معتاد، وعدم وجود أي دليل مرئي يثبت أنه لا يزال على قيد الحياة. ويضيف هؤلاء أن حجم الصراع، وكثافة الضغوط الداخلية والخارجية، قد يجعل سيناريو الاغتيال أو التصفية أمراً وارداً، بل ومخفياً ضمن ترتيبات سياسية أكبر.
غير أن هذه الفرضية، رغم ما تحمله من عناصر تشويق وإقناع ظاهري، تعاني من نفس الإشكالية الأساسية: غياب الدليل القاطع. فكما أن رواية الهروب تفتقر إلى إثبات مباشر، فإن فرضية القتل تظل، حتى الآن، قائمة على الاستنتاج لا على البرهان. والعقل إذا أراد أن يكون منصفاً، لا يمكنه أن يرفض رواية بسبب ضعف دليلها، ثم يقبل أخرى تعاني من الضعف ذاته.
لكن تبقى نقطة محورية لا يمكن تجاهلها: نحن نعيش في عصر لا يكاد يختفي فيه أحد دون أثر. الشخصيات العامة، وخاصة القيادات السياسية، تملك القدرة على الظهور خلال دقائق عبر تسجيل مصور أو خطاب مباشر. ومن هنا فإن غياب أي ظهور علني لبشار الأسد يثير تساؤلاً مشروعاً: إذا كان حياً بالفعل، فما الذي يمنع ظهوره ولو لدقائق ليضع حداً لكل هذا الجدل؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة تبني فرضية القتل، لكنه يسلط الضوء على فجوة واضحة في الرواية المقابلة. فالصمت في مثل هذه الحالات، لا يكون مجرد غياب للكلام، بل يصبح عاملاً مغذياً للشك، ودافعاً لتكاثر الروايات البديلة.
من جهة أخرى، يستند بعض التحليل إلى قراءة شخصية الأسد وسلوكه السياسي خلال سنوات الحرب الكونية على سورية. فيقال إن الرجل، بخطابه الحاد وتمسكه بالدفاع عن وطنه، لم يكن ليقبل بفكرة الهروب أو المنفى. لكن هذا النوع من التحليل، رغم جاذبيته، يظل افتراضياً. فالتاريخ يظهر أن القادة، مهما بدوا ثابتين في مواقفهم، قد يتخذون قرارات مفاجئة عندما تتغير موازين القوى أو تقترب الأخطار من حدودها القصوى.
كما أن الحديث عن “مؤامرة دولية لإخفاء الحقيقة” يحتاج بدوره إلى دليل، لا سيما أن هذا النوع من التفسيرات قد يتحول بسهولة إلى إطار عام يستخدم لتبرير أي غموض. صحيح أن السياسة الدولية لا تخلو من الصفقات الخفية، لكن تحويل كل غياب للمعلومة إلى دليل على مؤامرة قد يضعف الحجة بدلاً من أن يقويها.
إذن نحن أمام معادلة معقدة: رواية رسمية تفتقر إلى دليل بصري مباشر، وفرضية بديلة تفتقر إلى دليل مادي حاسم. وبينهما يقف العقل، ليس ليختار ما يوافق ميوله، بل ليطالب بما يثبت الحقيقة فعلاً.
إن المطلب الأساسي الذي يتكرر في هذا السياق – وهو ظهور الأسد بالصوت والصورة – ليس مطلباً تعجيزياً، بل هو الحد الأدنى من الإثبات في عصر الإعلام المفتوح. ظهور كهذا كفيل بإنهاء الجدل فوراً، وإعادة النقاش إلى مساره الطبيعي بعيداً عن الشائعات والتكهنات.
ومن هنا تكشف هذه القضية عن أزمة أعمق من مجرد خلاف حول مصير شخص، إنها أزمة ثقة في مصادر المعلومات، وأزمة في طريقة تعاملنا مع الأخبار في زمن الفوضى الإعلامية. فعندما يغيب الدليل، يحضر التأويل، وعندما يتراجع اليقين، تتقدم القناعات الشخصية لتملأ الفراغ.
والخلاصة التي يفرضها العقل هي أن الشك حق مشروع، لكنه لا يكفي لصناعة الحقيقة. لا رواية الهروب يمكن قبولها دون دليل قاطع، ولا فرضية القتل يمكن تبنيها دون برهان واضح. وحتى يظهر هذا الدليل – صوتاً وصورة أو وثيقة لا تقبل الشك – ستبقى الحقيقة معلقة، وسيبقى العقل معلقاً معها، لا يصدق ولا يجزم، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد