د . إسماعيل النجار يكتب : واشنطن في مأزق والخروج منه صعب ؟ إما قبول شروط إيران ؟ وإما الحرب وكلاهما كأساً مرة !!!

واشنطن في مأزِق، والخروج منه صعب؟ إما قبول شروط إيران ؟ وإما الحرب، وكلاهما كأساً مُرَّة.
إسماعيل النجار / بيروت
في الشرق الأوسط، لا تُدار الصراعات بالعواطف ولا بالشعارات، بل بمنطق القوة والمصالح وتوازنات الردع. ومن يقرأ التاريخ الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية، يدرك أن واشنطن لم تتعامل يوماً مع أي تحدٍّ استراتيجي باعتباره حدثاً عابراً، بل باعتباره اختباراً لهيبتها ونفوذها العالمي.
لذلك فإن المواجهة المفتوحة مع إيران لم تكن مجرّد خلاف سياسي حول الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل هو صراعاً على شكل النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بأكمله.
الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه عقدة الطاقة العالمية وممراً حيوياً للتجارة الدولية، فيما ترى “إسرائيل” نفسها في صراع وجودي مع أي قوة إقليمية قادرة على تهديد تفوقها العسكري أو كسر احتكارها للردع. من هنا يمكن فهم حجم التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى الخليج.
لكن في المقابل، فإن إيران بنت خلال العقود الماضية عقيدة مختلفة عن الجيوش التقليدية في المنطقة. فهي تدرك أن مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة عسكرياً قد تكون مكلفة للغاية، ولذلك اعتمدت على ما يسميه خبراء العلاقات الدولية بـ”الردع غير المتكافئ”، أي استخدام الجغرافيا، والصواريخ، والحلفاء الإقليميين، والحرب الاقتصادية، والممرات البحرية الحساسة، لرفع كلفة أي حرب عليها.
وفي هذا السياق تحديداً، يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم عناصر القوة الإيرانية. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية. وأي اضطراب كبير فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
الدراسات الغربية نفسها باتت تتحدث بوضوح عن أن الجغرافيا الإيرانية التي تحولت إلى عنصر ردع استراتيجي بحد ذاته. فالمضيق الضيق، والساحل الإيراني الطويل، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تجعل أي مواجهة بحرية واسعة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية والعسكرية. ولهذا تعتبر مراكز أبحاث دولية أن طهران تمتلك قدرة حقيقية على تهديد حركة الملاحة وفرض ضغط عالمي هائل إذا وصلت المواجهة إلى مرحلة كسر العظم.
مع ذلك، فإن الحديث عن “حسم كامل” أو “تدمير شامل” للقواعد الأميركية يحتاج إلى مقاربة واقعية وهادئة. الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر قوة عسكرية وتقنية في العالم، وقواعدها المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط تشكل جزءاً من شبكة عسكرية عالمية ضخمة. وفي المقابل، أثبتت التطورات الأخيرة أن إيران قادرة على إلحاق أضرار مؤلمة وخلق معادلات ردع غير مسبوقة في مواجهة أميركا، لكنها أيضاً تدفع أثماناً اقتصادية وعسكرية باهظة.
المعادلة الحالية لا تشير إلى انتصار مطلق لأي طرف، بل إلى توازن خوف متبادل. وتسجيل بعض النقاط لصالح طهران. واشنطن تدرك أن أي حرب شاملة قد تشعل أسواق الطاقة العالمية وتجر المنطقة إلى فوضى طويلة، فيما تدرك طهران أن استمرار الاستنزاف قد يهدد اقتصادها واستقرارها الداخلي. ولهذا بقي باب التفاوض مفتوحاً رغم التصعيد العسكري والإعلامي المتبادل.
أما “إسرائيل”، فهي تنطلق من عقيدة تقوم على منع ظهور قوة إقليمية موازية لها. ولهذا ترى في المشروع الإيراني تهديداً استراتيجياً بعيد المدى، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً وعقائدياً أيضاً. لذلك فإن أي تهدئة مؤقتة لا تعني انتهاء الصراع، بل ربما تكون مرحلة لإعادة التموضع والاستعداد لجولات أكثر تعقيداً.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط احتمال الحرب، بل حجم الترابط بين الجغرافيا والطاقة والاقتصاد العالمي. فإيران لا تمتلك ترسانة نووية معلنة، لكنها تمتلك أوراق ضغط استراتيجية تمس الاقتصاد الدولي مباشرة، فيما تمتلك الولايات المتحدة و”إسرائيل” تفوقاً نارياً وتكنولوجياً هائلاً. ومن هنا تبدو المنطقة وكأنها تقف فوق توازن هش، قوة عسكرية هائلة في مواجهة قدرة عالية على تعطيل الاقتصاد العالمي.
السنوات المقبلة قد لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بقدرة كل طرف على الصمود الاقتصادي، وإدارة التحالفات، والتحكم بإيقاع التصعيد والتفاوض. فالشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة حروب محلية، بل أصبح مركز اشتباك دولي تتقاطع فيه مصالح الطاقة والممرات البحرية والنفوذ العالمي.
إيران أكثر قدرة على الصمود والتحمُل ومن الصعب كسرها أو لي ذراعها.
بيروت في،، 11/5/2026