كتاب وشعراء

سرائر مضيئة …بقلم أ.حسناوي سيلمي

حين تصمت الأصوات الصاخبة، ولا يتبقى للمرء إلا خفايا روحه؛ يشرق الصدق وتنكشف حقيقة الفطرة الأولى. إن تماثل الخفاء والعلن هو عين الاستقامة، وفلسفة الوجود الأسمى التي تجعل الإنسان متصالحاً مع ذاته ومع كونه، فمن صفا باطنه نطق ظاهره بالحق دون تكلف أو رياء، لتصبح حياته لوحة متناسقة الألوان لا نشاز فيها، وفي هذه المرآة الصافية يرى المرء حقيقته وتغدو أفعاله صدى نقياً لأفكاره بعيداً عن صخب الادعاء. وعندما تتحد السريرة بالعلانية، وتغيب تلك الفجوة المظلمة بين ما نخفيه وما نظهره، يزول الانفصام البشري الذي ينهك الأرواح في دروب النفاق، عندها فقط تشرق النفس بهدوء كوني غامر، وتتحول إلى مرآة لا غبش فيها، تعكس ما في العمق الإنساني من نبل ونقاء دون تزوير للحقائق، والتحرر من قناع الظاهر للوصول إلى سكينة الصدق الكامل.فالعدل الحقيقي في عمقه الفلسفي ليس مجرد قوانين صارمة تحكم الظاهر، أو ميزان مادي لتقاسم الحقوق والواجبات فحسب، بل هو ميزان معنوي دقيق وشفاف، تتوازن فيه خفايا الروح العميقة مع سلوك الجسد الخارجي في غدوه ورواحه، فلا يرجح جانب على آخر، ولا يطغى إعلان على إسرار. وفي رحاب هذا التوازن، لا غموض كالحاً يحجب نور الحقيقة، ولا زيفاً عابراً يشوه نقاء الفطرة الإنسانية الأولى، إنها حالة من التصوف الفكري والأخلاقي، حيث يصبح الضمير الخفي هو القائد المعلن، وتغدو السيرة الظاهرة هي الترجمة الأمينة لسرائر القلوب المضيئة، ليعيش الإنسان بقلب واحد، ووجه واحد، وعمر واحد. وختاماً، ليس العدل أن تزن أفعالك بميزان الأرض، بل أن تزن روحك بميزان السماء؛ فمن أصلح ما بينه وبين نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الوجود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى