
وقفتُ على متن السفينة أتطلَّع إلى شعاعٍ خافت يصدر من بقايا شمس تحتضر. يضيء إليَّ ما تراءى من ميناء الذكريات، لمحته عشيقًا يودِّع معشوقه، أسندت رأسي إلى الخلف ورحت أتذكَّر ما مضى من الأيام الخالية. فما زالت ذرات ترابه عالقةً بحذائي، الآن أرى المستقبل ورائحة المال تداعب أنفي.. بيت جميل، سيارة فاخرة وفتيات يتلهفن لرؤيتي.. بداية جميلة مع ميناء جديد ربما يعطيني ما حلمت به. حلم زرعته لي الأيام في أرض جديدة، فالآن تركتُ أرض البوار.
ثم راح الشعاع يخفت شيئاًً فشيئاً حتى أعلن الأفول سطوته، وتاهت معه خطوات الذكريات.
ساد الظلام من حولي، بدأ يتسرب إلى عيني وأنا وسط الأحلام النابضة.
راودني إحساس بالرهبة، كيف لي أن أرى المستقبل في تلك العتمة؟ بِتُّ لا أسمع سوى صوت الأمواج ينزعني من وسط أحلامي. وقفتُ حينها متنازعًا بين همسات الماضي ونداءات المستقبل، أتطلَّع إلى سنواتٍ من الماضي ذهب عني بريقُها.. يروقني فيها لمسات حب كانت تملأ فراغاتي.
ما بين العباب تلاشى كل شيء حتى شعرت وكأنني فرعٌ نُزِع من شجرته فبات بلا جذور ولا يملك مكاناًً في شجرة أخرى. ولكن صوت المستقبل عاد يناديني من جديد. قررتُ الخلود إلى النوم أراود نفسي عن مخاوفها، وأنا أتعجَّل الساعات للقاء الحلم الكبير.
وفجأة فتحت عيني على صوت صراخ واستغاثات وشبح الموت يدق أجراس عقلي، أستصرخ الفضاء بلا مجيب.. ثم تلاشى كل شيء ولم يبقَ من رائحة المستقبل سوى باقة زهور ذبلت فوق قبري المهجور.