رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :الدعم النقدي كقربان لسداد الديون

تحت لافتات رنانة مثل “كفاءة الاستحقاق” و”التحول الرقمي”، تعتزم الحكومة إحداث تغيير جذري في فلسفة شبكة الأمان الاجتماعي عبر التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط.
وفي حين يُسوّق هذا التحول إعلامياً باعتباره انتصاراً لحرية المواطن في الاختيار، فإن القراءة البنيوية للمؤشرات المالية ومستندات السياسة الاقتصادية تكشف عن واقع مغاير تماماً؛
إذ لا يعدو هذا التحول كونه أداة تقشفية حادة تهدف إلى خلق وفر مالي مباشر لخدمة أعباء الديون المتعاظمة، نزولاً على شروط ومستهدفات صندوق النقد الدولي، على حساب الفئات الأكثر هشاشة.
أولاً: خفض الإنفاق لا الكفاءة.. الهدف الحقيقي وراء الستار
تُجمع التحليلات الاقتصادية المستقلة على أن الدافع الأساسي لإلغاء الدعم العيني للسلع والخبز هو الضغط المالي الخانق في مواجهة تضخم بنود الدين.
قربان سداد القروض:
في ظل التزام الدولة بسداد التزامات وفوائد ديون تلتهم النسبة الأكبر من الإيرادات (2.42 تريليون جنيه للفوائد بموازنة 2026/2027 مقابل 832 مليار جنيه فقط لقطاع الدعم بأكمله)، تجد الحكومة نفسها مجبرة على التضحية بالدعم التمويني لتأمين سيولة عاجلة للمقرضين الدوليين والمحليين.
خديعة “ضآلة المبلغ الثابت”:
إن طرح مبلغ نقدي يتراوح بين 300 و350 جنيهاً للفرد شهرياً يمثل قيمة “ضئيلة” لا تغطي الاحتياجات التغذوية الأساسية للأسرة.
الهدف المالي هنا هو تثبيت الإنفاق الحكومي؛ فالحكومة تدفع مبلغاً نقدياً جامداً، بينما تترك المواطن منفرداً في مواجهة تقلبات الأسعار.
إملاءات صندوق النقد الدولي:
يُعد التحول المباشر نحو الدعم النقدي بنداً ثابتاً في حزم المشروطية الهيكلية للصندوق.
لا يستهدف الصندوق حماية الفقراء كما يزعم، بل يسعى لتجفيف منابع التزامات الدولة التموينية لتخفيض عجز الموازنة، وتسهيل تصفية القطاع العام التمويني لصالح آليات السوق الحرّة.
ثانياً: الأثر الاجتماعي.. متلازمة التضخم وإعادة إنتاج الفقر
إن إلقاء الملايين من مستحقي الدعم في أتون “السوق الحرة” بالتزامن مع ضخ سيولة نقدية مباشرة سيولد آثاراً تدميرية على الأمن الغذائي
التضخم وتآكل القيمة:
يؤدي ضخ السيولة النقدية المباشرة إلى “صدمة طلب” فورية في الأسواق. هذا الطلب المفاجئ مع تحرير أسعار السلع التموينية سيخلق موجات تضخمية متلاحقة تلتهم القيمة الشرائية للمبلغ الممنوح، ليتحول الـ 300 جنيه بمرور أشهر قليلة إلى قيمة شبه معدومة.
توسيع رقعة الفقر والطبقية:
إن التوسع غير المنضبط في “معايير الاستبعاد” (مثل ملاحقة سرقات الكهرباء، أو نوع السيارات، أو الاستهلاك الرقمي) هو آلية عشوائية لحظر الملايين بهدف تقليص الفاتورة الإجمالية. وسيؤدي ذلك إلى انزلاق شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة والدنيا إلى مستويات الفقر المدقع نتيجة العجز عن مجاراة الأسعار الحرّة للسلع الأساسية.
ثالثاً: روشتة البدائل.. كيف تعاملت التجارب الدولية مع التضخم والفقر؟
إذا كان التحول أمراً واقعاً، فإن الممارسات الدولية الناجحة تشير إلى أنه لا يمكن تمرير الدعم النقدي بآليته العمياء الحالية، بل يجب تبني حلول هيكلية مستلهمة من تجارب أخرى:
التجربة البرازيلية (الإنتاج وضبط المشروطية):
نجحت البرازيل عبر برنامج (Bolsa Família) في كبح جماح التضخم من خلال تحويل الدعم إلى أداة تنمية؛ حيث اشترطت استمراره بانتظام الأطفال في التعليم والرعاية الصحية. بالتوازي مع ذلك، قامت الدولة بدعم “جانب العرض” عبر تمويل صغار المزارعين والمنتجين المحليين لزيادة المعروض من الغذاء، مما أدى لامتصاص السيولة النقدية دون رفع الأسعار.
التجربة الهندية (المرونة وهيكلة الشبكة الرقمية):
رغم اعتماد الهند على نظام التحويل النقدي المباشر (DBT) للقضاء على الفساد، إلا أنها رفضت إلغاء الدعم العيني كلياً. احتفظت نيودلهي بمنظومة دعم عيني استراتيجي للحبوب والقمح لحماية المواطنين خلال الأزمات وحالات التضخم الحاد، لتعمل كصمام أمان يحمي القوة الشرائية من الانهيار الكامل.
رابعا: كيفية تقليل الآثار السلبية:
لضمان عدم استغلال التجار للدعم النقدي، تلجأ الدول إلى استراتيجيات رقابية وتنظيمية غير مباشرة لضبط هوامش الربح، وتتمثل في المحاور التالية:
1. وضع “أسعار استرشادية” عادلة:
تقوم وزارة التموين بالتعاون مع الغرف التجارية واتحاد الصناعات بحساب التكلفة الحقيقية لإنتاج السلع (المواد الخام + الشحن + التصنيع).
يُعلن رسمياً عن سعر استرشادي عادل للسلعة مع تحديد هامش ربح منطقي للتاجر (يتراوح عادة بين 10% إلى 15%).يمثل هذا السعر مرجعية للمستهلك، ويجعل أي تاجر يبيع بأعلى منه مكشوفاً أمام المقاطعة أو المساءلة.
2 . تفعيل الإلزام القانوني بإعلان الأسعار:
يُطبق القانون بصرامة لإلزام كافة المنافذ بوضع ملصقات الأسعار (Price Tags) على كل سلعة بشكل واضح و.يُجرم القانون ما يُعرف بـ “حجب السلع” أو الامتناع عن بيعها لتعطيش السوق ورفع سعرها.
تسهل هذه الآلية رقابة مكاتب التموين وجهاز حماية المستهلك عبر حملات تفتيشية للتأكد من مطابقة السعر المعلن للفواتير الأصلية.
3. الرقابة الرقمية وتتبع الفواتير الإلكترونية
الاعتماد على منظومة الفواتير الإلكترونية التي تربط المصانع والمستوردين وتجار الجملة بتجار التجزئة.
تتيح هذه التكنولوجيا للحكومة تتبع حركة السلعة من المنشأ إلى المستهلك النهائي، ورصد أي قفزة غير مبررة في الأسعار في أي حلقة من حلقات التداول.
4. خلق توازن عبر “المنافذ الحكومية البديلة”:
تستمر الدولة في تشغيل منافذها الخاصة (مثل المجمعات الاستهلاكية، وسيارات الخدمة الوطنية، ومعارض أهلاً رمضان).
تطرح هذه المنافذ السلع بهامش ربح منخفض جداً أو بسعر التكلفة فوجود بديل حكومي قوي يجبر تجار القطاع الخاص على خفض هوامش أرباحهم تلقائياً لضمان القدرة على المنافسة وجذب المستهلك
5. إتاحة منصات الإبلاغ المجتمعي بتفعيل دور جهاز حماية المستهلك عبر تطبيقات الهواتف الذكية والخطوط الساخنة. يتيح ذلك للمواطنين تصوير المخالفات وإرسال الشكاوى فورياً عن التجار الذين يبالغون في الأسعار، مما يضع ملايين المواطنين في دور “المراقب” على الأسواق.
خلاصة القول
إن التحول نحو الدعم النقدي في صورته المطروحة حالياً هو إجراء مالي تقشفي بحت، وليس إصلاحاً اجتماعياً كفؤاً. وإذا لم تلتزم الدولة بربط قيمة هذا الدعم بـ مؤشر تضخم مرن ومتغير دورياً، بالتوازي مع الإبقاء على حصص عينية استراتيجية للسلع الحيوية، وتفعيل اجراءات رقابية مؤثرة فإن هذه الخطوة لن تسفر إلا عن تعميق الأزمة المعيشية وإعادة إنتاج الفقر تحت رعاية دولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى