
لا تبدو لحظة “الاتفاق المحتمل”اليوم بين إيران والولايات المتحدة حدثًا تفاوضيًا بقدر ما تبدو نقطة اختبار لنموذج الصراع ذاته في الشرق الأوسط: هل نحن أمام تسوية تُنهي التوتر، أم أمام إعادة هندسة كاملة لطريقة اشتغاله؟
السؤال لم يعد: هل يحدث اتفاق؟
بل: ما الذي يولده الاتفاق إذا حدث؟
في التصورات الكلاسيكية لصناعة القرار—كما تُطوّرها أدبيات مراكز التفكير الاستراتيجي—الاتفاقات الكبرى لا تُنهي الصراع بقدر ما تُعيد “تسعيره”: نقل مركز الثقل من مواجهة مباشرة إلى إدارة شبكية متعددة المستويات، حيث تتراجع المواجهة الصلبة لصالح اشتباك منخفض الحدة، طويل الأمد، وموزّع جغرافيًا.
في هذا السياق، لا يكون الاتفاق نهاية، بل لحظة انتقال:
من صراع متمركز حول عقدة إقليمية واحدة، إلى صراع مُجزّأ داخل منظومة ساحات شبه مستقلة.
ما يظهر في الواجهة اليوم—من تسريبات عن وساطات غير مباشرة، إلى أدوار إقليمية معقدة تتداولها الدوائر الإعلامية دون تأكيد—ليس سوى انعكاس لبنية أعمق: تآكل مركزية القرار في إدارة الصراع، وتزايد الاعتماد على قنوات وسيطة وشبكات نفوذ متداخلة.
لكن هذه الشبكية لا تنتج استقرارًا، بل إعادة توزيع للمخاطر.
داخل إيران، يتبلور انقسام أكثر جوهرية من مجرد خلاف سياسي:
تيار يرى في التفاوض أداة لإعادة التموضع داخل نظام دولي متغير، مقابل تيار يعتبر أن أي انفتاح تفاوضي غير مضمون الضمانات يعادل تفكيكًا تدريجيًا لبنية الردع، خصوصًا في ملفات مثل المضائق البحرية، والبرنامج النووي، وهندسة “وحدة الساحات”.
هذا الصراع الداخلي لا ينفصل عن منطق أوسع أشارت إليه الأدبيات الاستراتيجية الحديثة:
الدول التي تعتمد على الردع غير المتكافئ تميل إلى اعتبار أدوات الضغط جزءًا من “هويتها الاستراتيجية”، وليس مجرد أوراق تفاوضية، ما يجعل التنازل عنها مسألة بنيوية لا تقنية.
في المقابل، يأتي التصعيد الإقليمي—من لبنان إلى ساحات أخرى—ليعمل كعامل تشويش على أي مسار تسوية.
فالضربات المحدودة، وإدارة التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة، يعكسان نمطًا متكررًا في بيئات الصراع المعقد: إبقاء النار مشتعلة دون السماح لها بالتحول إلى حسم.
هذا النمط، كما تصفه بعض التحليلات الاستراتيجية، ليس فوضى، بل “استقرار منخفض الكثافة” (low-intensity equilibrium): حالة لا حرب فيها ولا سلم، بل توازن هش يُدار عبر الاحتكاك المستمر.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز فرضيات أكثر حساسية داخل الخطاب الإيراني المتشدد:
أن التفاوض لا يجري في مسار واحد شفاف، بل ضمن هندسة متعددة الطبقات تتداخل فيها واشنطن، وحلفاؤها الإقليميون، وقنوات وسيطة غير تقليدية، بما يعيد تعريف معنى “الاتفاق” ذاته: هل هو عقد سياسي، أم إعادة ترتيب للنفوذ؟
لكن هذه الفرضيات، مهما كان صداها، تعكس حقيقة واحدة أكثر أهمية من صحتها: انهيار اليقين في لحظة الانتقال.
في مثل هذا السياق، لا يكون الحدث الحاسم هو توقيع الاتفاق، بل تفكك مركز القرار الواحد للصراع، وصعود منطق الإدارة المتعددة للساحات.
وهنا تحديدًا يتحول الإقليم من نموذج “حروب تُحسم” إلى نموذج “صراعات تُدار”:
حيث لا تنتصر الأطراف، بل تتكيف؛
ولا تنتهي المواجهات، بل تُعاد هندستها؛
ولا يُغلق المسرح، بل يُعاد تقسيمه إلى مسارح أصغر.
لبنان، في هذا الإطار، ليس استثناءً بل نموذجًا مُكثفًا: ساحة ذات تماس مباشر، وردع متبادل، وقدرة عالية على منع الحسم، مقابل عجز بنيوي عن إنتاج تسوية مستقرة نهائية.
النتيجة النهائية ليست انتصار طرف، بل تثبيت معادلة ثالثة:
لا حرب شاملة… ولا سلم مستقر… بل اشتباك مُدار طويل المدى.
ومن هنا يتغير السؤال الجوهري في الإقليم:
لم يعد السؤال من يربح الصراع، بل كيف يُصمَّم صراع لا يُسمح له بأن يُحسم.