
(من يوميات عامل يعمل بعطل دائم)
المدير اليوم أحرجني أمام موظفيه.
أصرّ على أنني كئيب،
وأنني أترك ظلا ثقيلا فوق الطاولات،
وأن الوجوه تصبح أقلَّ ضحكا حين أمرُّ بقربها.
كان يتحدث بثقةٍ كبيرة،
كأنّه يعرفني منذ طفولتي،
كأنّه كان يجلس إلى جانب سريري في الليالي التي لم أنم فيها.
هو لا يعرف.
لا يعرف أنني أستيقظ كلَّ صباح وأجمع نفسي من أماكن كثيرة.
لا يعرف كم يحتاج الإنسان من الشجاعة ليبدو عاديا ليومٍ واحد.
لا يعرف أن بعض القلوب تذهب إلى أعمالها وهي متعبة، وتصافح الآخرين،
وتجيب عن الأسئلة،
وتبتسم للغرباء،
بينما هي في الداخل تحمل أثقالا لا اسم لها.
رآني صامتا فسمّاني كئيبا.
ولم يخطر بباله أن الصمت أحيانا ليس مزاجا سيئا،
بل آخر ما يتبقى للإنسان حين تتعب الكلمات.
كنت واقفا هناك بين زملائي،
أشعر أن كل جملةٍ يقولها تدفعني خطوةً إلى الخلف.
ولأول مرة شعرت أنني أصغر من عمري بكثير.
كطفلٍ يقف في ساحة المدرسة ولا يعرف لماذا يضحك الآخرون عليه.
لم أدافع عن نفسي.
ماذا يمكن أن أقول؟
هل أشرح له أنني منذ سنوات أحمل في صدري غرفةً مغلقة وأحرص كل يوم أن أبقي بابها موصداً؟
هل أخبره أنني لا أحزن على الأشياء الكبيرة،
بل على الأشياء الصغيرة التي تختفي بصمت؟
على صديقٍ وعد أن يبقى ثم رحل،
على طريقٍ ظننته يؤدي إلى النجاة،
على أمنياتٍ ذبلت وهي تنتظر دورها في الحياة.
هو لا يعرف شيئا عن هذا.
يراني أصل إلى العمل في الموعد فيظن أنني بخير.
يراني أنجز ما يُطلب مني فيظن أن روحي تنجز مهمتها أيضا.
يراني أضحك أحيانا فيحسب أن الحزن غادرني.
ولا يعرف أن الإنسان قد يضحك كي لا يسقط.
بعد انتهاء الدوام خرج الجميع إلى بيوتهم.
أما أنا فحملت كلماته معي.
كانت تمشي إلى جواري في الشارع،
وتجلس بقربي في الحافلة،
وتصعد السلالم خلفي.
وحين وصلت إلى غرفتي أدركت أن أكثر ما أوجعني لم يكن الإحراج.
بل سهولة الحكم.
سهولة أن ينظر أحدهم إلى وجهك لدقائق ويعتقد أنه قرأ حياتك كلها.
سهولة أن يختصر سنواتٍ من الخسارات،
وأياما طويلة من المقاومة،
وليالٍ كاملة من الصبر، في كلمةٍ واحدة.
كئيب.
كأن الإنسان كتابٌ من صفحة واحدة.
كأن القلب لا يملك إلا معنى واحدا.
في تلك الليلة جلست قرب النافذة.
كانت المدينة مضاءةً كعادتها، والسيارات تعبر الشوارع، والناس يواصلون حياتهم كما لو أن العالم لا ينكسر في داخل أحد.
وفكرت أن أكثر البشر ألما ليسوا الذين يبكون أمام الجميع.
بل أولئك الذين يتقنون الوقوف في الضوء،
ويخفون خرابهم جيدا.
أولئك الذين يعودون كل مساء محمّلين بأنفسهم،
دون أن يجدوا أحدا يسألهم عمّا أنقذوه اليوم من الداخل.
أحدهم اختصرني في كلمة.
وأمضيت الليل كله أحاول أن أتذكر كم احتجت من العمر كي أصبح أكثر من ذلك بكثير.