
وجه أعرفه منذ أكثر من ثلاثين عامًا
كان عام 1995 عامًا فاصلًا في حياتي حين جمعتني كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية بوجوه كثيرة وحياة مختلفة انتقال من الريف إلى عروس البحر وجمالها وعشقها وإلى غموض موجها وتقلباته.
ومن بين تلك الوجوه كان هناك وجه آخر أصبح له مكان خاص في رحلتي… وجه يونس ناصف الإنسان.
كان يونس يدرس فن النحت، وكنت أدرس في قسم آخر، فصرنا عونًا ورفيقًا لبعضنا في الدراسة والحياة وبدايات العمل، نكسر معًا فجوة الغربة.
عرفت يونس أخًا مرحًا، بشوشًا، بسيطًا ومتواضعًا، يحمل شهامة أبناء الأصول وعزتهم وكرمهم. وعرفته أكثر في الشدة وفي بيت عائلته المفتوح بالحب والكرم. وفي استقبالي ووداعي في السفر والترحال… فكان لـ يونس الإنسان قبل يونس الفنان مكانة خاصة.
ومنذ البدايات كان فنانًا جريئًا لا يهاب العمل الصعب ولا يرى الفن معركة بل مساحة يدخلها مطلقًا لخياله وحريته .
مرت السنوات، وفرقتنا الغربة مكانًا كما جمعتنا من قبل، لكن ظل الوصال دائمًا. وجدته كما هو في أصله وشهامته، بينما تغير الفنان ونضج كثيرًا؛ صقلت الحياة خياله وتراكمت خبرته حتى وصل اليوم وهو النحات الكبير والحاصل على الدكتوراه في الترميم من جامعة الإسكندرية إلى معرضه الفردي «وجوه أخرى».
تابعت المعرض من بعيد ولم يحالفني الحظ أن أتشرف بحضوره وكم تمنيت أن أكون بجواره.
في أعمال يونس أرى حوارا فنيا ولغة نحتية تقوم على الاختزال والبساطة وقوة الكتلة يحرر الشكل من التفاصيل ويترك للخيال مساحة لاستكماله.
تتنوع خاماته لكن شخصيته تظل حاضرة ومتماسكة تجمع بين الثبات والاتزان والانسيابية والحضور الإنساني. هو لا يصارع الخامة بل يحاورها ويصادقها فتبدو أعماله بسيطة في ظاهرها عميقة في إحساسها.
ورغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا لا أرى «وجوه أخرى» حصاد رحلة انتهت بل بداية جديدة لفنان ما زال لديه الكثير ليقوله.
تستحق الأكثر يا رفيقي.
أعلم أن الزمن كان تيارًا معاكسًا في كثير من الأوقات، لكنك صابرت في هدوء ودون ضجيج.
وبين كل الوجوه التي نحتها، ما زلت أرى ذلك الوجه الذي عرفته منذ أكثر من ثلاثين عامًا…
يونس الإنسان… قبل يونس الفنان.
مبروك يا صديقي.
لقد نحتَّ لنفسك طريقًا يليق بك، وما زال في الطريق متسع لوجوه أخرى… ونجاحات أخرى.
صديقك ورفيق الدرب