رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب: ذاكرة مسعود البارزاني الإنتقائية

يقول الخبر” أصدر الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، الجمعة، بياناً في الذكرى الثالثة والأربعين لعمليات الأنفال ضد البارزانيين، أعرب فيه عن أسفه لأن جراح الكورد من المجازر والإبادات الجماعية التي تعرضوا لها خلال حقبة النظام السابق في العراق “لم تندمل”. كما طالب” بتعويضات عن جرائم النظام السابق”.
ونحن معه نعلن عن عميق الحزن والألم لذلك لكن عندما تفتح الذاكرة يجب أن تفتح بصدق ووضوح وبلا إنتقائية. مؤكد ان البرزاني يحاول إحياء ذاكرة الدم للهروب بالشعب الكردي من حقوقه بعد ان انتهت الثورة وتحولت الى دولة وصار الثوار مقاولين واصحاب عقارات وملايين على حساب الاغلبية الساحقة من الشعب وهذه الأسرة الحاكمة هي آخر عائلة دكتاتورية على وجه الأرض تحكم باسم العشيرة والحق العائلي.
السيد مسعود البرزاني قتل بيده جنودا أسرى وطيارين في سجن كلاله وسجن قضاء جومان نهاية الحركة في نيسان عام 1975 بعد بيان 5 آذار 75 في الجزائر بين صدام حسين ومحمد رضا بهلوي شاه إيران. عدد ضحايا الحرب بين عام 74 ــــــــــــــــ 75 بلغ 60 ألف ضحية من الجنود الفقراء لذلك جاءت الاهزوجة” طركاعة اللّفت برزان ـــــ بيّس بأهل العمارة”.
محاولة مسعود استغلال فكرة الضحية غير مقنعة اليوم لأن الشعب العراقي كله كان ضحية نظام بربري متوحش كما ان ذاكرة الدم والمقابر ليست حكراً على طرف بل العراق صار مقبرة جماعية والجميع يدفعون اليوم الاثمان الفادحة لذلك النظام الدموي والى سنوات قادمة.
كاتب هذه السطور شاهد القتلى في السجنين وكانت الدماء حارة واعدام السجين المناضل الكردي فاخر ميركه سوري (فاخر حمد صالح)، وهو قيادي عسكري وسياسي كردي بارز من أربيل، عُرف بدور قيادي في الحركات الوطنية الكردية في العراق خلال القرن العشرين وسجين النظام الملكي والجمهوري مع إخوته وذبح أطفاله في رايات في الحقول وقتل الأب الطاعن في السن فوق التسعين وهو صديق الأب البرزاني ورجل صوفي لكي لا يبقى من يرث السلطة غير الأسرة البارزانية.
من شهود المذبحة الملازم رعد الحمداني آمر سرية دبابات وصلت السجن في جومان الذي صار الفريق الركن قائد الفيلق الثاني في الحرس الجمهوري وقد كتب عن المذبحة في كتابه” قبل أن يغادرنا التاريخ” وموثقة في سجلات وزارة الدفاع وفي مراكز أبحاث.
لن ندخل في “عقلية الرقم” من قتل أكثر أو أقل لأن القضية ليست في رقم الضحايا بل في فكرة القتل والابادة بصرف النظر عن العدد والعدوان على الحياة ولو كان شخصاً واحداً ” مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا”.
لا يمكن لذاكرة السيد مسعود ان تتذكر مجزرة وتنسى أخرى هو مرتكبها وهي ليست الوحيدة بحق الأسرى العراقيين الجنود الذين هم من فقراء الجنود زج بهم النظام في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل واذا كان يريد تعويضاً من النظام ـــــــــــــــ بعد أن سرق مصانع وأسلحة الدولة وشارك مع الموساد في اغتيال العلماء والضباط والحقوقيين وغيرهم لإفراغ العراق من الطبقة الوسطى وخلق الدولة الفاشلة وسرقة نفطها ـــــــــــــــــــ فمن يعوضنا نحن من جرائمه المستمرة منذ القرن الماضي وحتى اليوم؟ أو في الأقل أين رفاة الجنود الأسرى الذين قتلوا في السليمانية؟
هرب بعدها مسعود مع الأب والشقيق إدريس وعيسى سوار رئيس جهاز استخبارات البارستن للحزب الى ايران وفي الطريق الى رايات تم شنق أحد المعارضين الأكراد في سجن على الطريق عثرنا عليه مصادفةً ونحن في مطاردة الزمرة حتى حاج عمران النقطة الحدودية الأخيرة.
دخلت منزل مسعود في قضاء جومان وسياجه الخارجي أحجار ضخمة بارتفاع متر تقريباً وخلفه اذاعة الحزب بعد تدميرها من قبل الحركة وفي المنزل حديقة يشطرها ممر حجري ،
وفي الجانب الايمن من الحديقة ملجأ أرضي مموه بالعشب يفتح برفع صخرة
ولا يبعد المنزل أكثر من مئة متر عن جسر جومان وجواره فرن للخبز المؤدي الى رايات وحاج عمران. كان الأب والأبناء قرروا سحق كل ما يقف في طريقهم كذئاب جريحة. في يومياتي عن تلك الايام عبارة مختزلة تقول” مطاردة ذئاب جريحة” للعودة لها في عمل روائي يوما وقد عدت.
ولم يكن مسعود البرزاني وحده من ارتكب مجزرة بحق الجنود الأسرى بل جلال الطالباني وحزبه ـــــــــــــــــــ كما في الصور والوثائق ــــــــــــــــ ارتكب هو الاخر مجازر بحق الانصار الشيوعيين أيضاً في باشتاتان بلا أي تعويض ولا حتى اعتذار.
الجنود الذين سلمواً أنفسهم في آذار 1991 الى حزب الاتحاد الوطني في السليمانية تم اعدامهم في قاعة بحضور مصور الماني وثق الحدث ووضع كتابا بعنوان” جريمة حرب Kriegsverbrechen. “.
تم اعدام بعضهم بالبلوك على الرأس ولعلماء النفس تفسيرهم لهذه الطريقة من القتل وعندنا الصور لكن الفيس بوك يرفضها لبشاعتها:
الغل والتوحش والتلذذ عكس البربرية القديمة التي تكتفي بالقتل بلا تلذذ.
تطور منحرف في البربرية حسب تعبير الروائي أندريه مالرو.
واضح ان الجنود وعددهم أكثر من 130 في حالة استرخاء بلا سلاح وهم من فقراء الجنوب.
لا يمكن نسبة الجريمة الى شعب بريء بل هي مسؤولية أحزاب فاشية عنصرية مارست حملة اغتيالات بعد الاحتلال بتعاون مشترك بين جهاز استخبارات البارزاني البارستن وجاهز استخبارات الاتحاد الوطني الطالباني دەزگای زانیاری وكلاهما من تأسيس الموساد مع مخابرات أجنبية ضد علماء وأطباء وطيارين ورجال قانون لافراغ العراق من الطبقة المتوسطة لكي يصبح مجتمعاً بلا رأس كإفغانستان وعرقلة بناء دولة حتى اليوم من خلال خلق مشاكل لا تنتهي.
اخفاء الجريمة جريمة أخرى والتستر عليها ونسيانها والخوف من الحديث عنها هو ما يشكّل ” مناخ الجريمة” الذي سيتكرر في جرائم جديدة كما حدث وسيحدث.
كان آسرو الجنود ( كما في الصورة) في انتظار الأمر القيادي من الحزب،
الذي جاء بهاتف من كلمة واحدة كسكين:
” إعدموهم”
أربعة من قيادي الحزب والقرار يومها هم: جلال الطالباني وبرهم صالح وعبد اللطيف رشيد والرئيس الحالي نزار آميدي نزار محمد سعيد آميدي صاروا رؤساء جمهورية وهم من أصدر أوامر القتل.
أين رفات هؤلاء الجنود الفقراء لأجل دفنهم وانهاء معاناة الأهل في الاقل؟
هؤلاء الأربعة كانوا قادة يوم صدر القرار ويتحملون المسؤولية السياسية والاخلاقية والقانونية عن الجريمة أحياءً أم موتى كما حدث مع الدكتاتور.
لا نتحدث عن عقاب وحساب لان القاتل اليوم هو من يحاسب،
لكن هذا النوع من الجرائم لا يسقط مع تعاقب الزمن ولو كان القتلة موتى.
هذه ليست الجريمة الأولى في اعدام أسرى جنود. لماذا لم تصدر ادانة واحدة من كل الاحزاب؟
السبب لأنها جميعا مارست المجازر والاغتيالات والتصفيات ضد الخصوم وحتى ضد الرفاق ومن مصلحة الجميع الصمت والتغليس لكي لا تفتح علبة الأسرار والدم وكما يقول المثل الانكليزي” «لا تبيع الفحم في نيوكاسل» التي تشتهر بالفحم ويقابله المثل العراقي «لا تبيع الماء في حارة السقايين».
ـــــــــــــ1 : الصورة: قبل الاعدام لمصور الماني وثقها في كتاب “جريمة حرب” وهم في حالة استرخاء وبعد وصول الأمر بالاعدام تم اخذهم الى قاعة واعدامهم وفي الرابط أدناه صور الاعدام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى