كيف عادت إيران من حافة الانفجار إلى منتجعات سويسرا؟ أوراق الميدان ودبلوماسية المال ولعبة الكواليس

كتب:هاني الكنيسي
يبدو أن الرئيس الأمريكي أدرك متأخراً أن الموضوع دخل في الجد وأنصت هذه المرة لنصائح أجهزة استخباراته التي أجمعت -بحسب ما نقلته واشنطن بوست- على أن إسرائيل تعمل على إفشال اتفاق السلام المتعثر مع إيران، وأن صديقه وربيبه ‘بيبي’ لا يأبه بشيء سوى تعزيز حظوظه في الانتخابات الوشيكة (وسط تراجع منتظم لشعبيته).
ففي غضون ساعات قليلة، تبدلت صورة المشهد الذي خيمت عليه أجواء التصعيد و مؤشرات العودة لنقطة الصفر التي بلغت ذروتها بإعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز مجدداً، فأفادت شبكة CNN أن نائب الرئيس الأمريكي ‘جي دي فانس’ يستعد للتوجه إلى سويسرا ليلتحق بمستشاري الرئيس ‘ستيف ويتكوف’ و’جاريد كوشنر’ (اللذين وصلا بالفعل)، وتلاه إعلان الخارجية الإيرانية عن تحرك رئيس البرلمان محمد قاليباف إلى هناك على رأس وفد كبير “لمتابعة تنفيذ التفاهمات الأخيرة مع الولايات المتحدة”، وكذلك أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أنه في طريقه إلى سويسرا رفقة وزير دفاعه.
وهي الإعلانات التي توالت زمنياً بعد دقائق من إعلان قائد أركان الجيش الإسرائيلي ‘زامير’ ورئيس الوزراء النتنياهو وقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان “بالتنسيق مع واشنطن”.
الإعلام الأمريكي استعمل لفظ “تحت ضغط واشنطن” بدلا من “التنسيق”، مشيراً إلى مواكبته جهودا دبلوماسية من الوسطاء الإقليميين (تستضيف القاهرة اجتماعا رباعيا يضم وزراء خارجية قطر وتركيا وباكستان لدفع مسار التفاوض).
لكن هذا التسارع الدراماتيكي في الأحداث، لا يمكن فصله عن تطورات ميدانية وتحركات عملية “في الكواليس”.
فعلى الجبهة اللبنانية، كان “الكمين” الذي نفذه حزب الله في منطقة ‘تلال علي الطاهر’ بالجنوب، وأسفر عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين وإصابة 17 آخرين، بينهم قائد الكتيبة 52 التابعة للواء النخبة “غفعاتي”، والذي استخدمته إسرائيل ذريعة لتبرير هجماتها الواسعة لاحقاً على النبطية وقتل المزيد من المدنيين اللبنانيين (رغم أن التفاصيل المنشورة في الإعلام العبري عن الكمين تشي بأنه جاء في التصدي لتوغل دبابات إسرائيلية بالمنطقة عقب إعلان الهدنة العبثية)، كان له -بالإضافة لسقوط قتيلين آخرين اليوم أحدهما برتبة لواء- دور واضح في اهتزاز نفسية الجيش الذي لا يُقهر (بعد سلسلة هجمات بالمسيرات الانتحارية أسقطت العديد من جنوده وضباطه يومياً) وكذلك في ازدياد السخط على حكومة النتنياهو داخليا (والكلام ليس من عندي وإنما تلخيص لمقالات رأي وتعليقات متواترة في صحف مثل ‘معاريف’، و’هآرتس’ التي استخدمت تعبير “إخصاء” النتنياهو).
و”في الخفاء”، بحسب التعبير الذي استخدمته ‘وول ستريت جورنال’ في تقريرها الحصري المنشور اليوم، كان لدبلوماسية المال أو “صفقة الإفراج عن الأموال المجمدة” تأثير لا يستهان به في “تليين” الموقف الإيراني. إذ كشف مراسلو الصحيفة الأمريكية المرموقة (بينوا فوكون، وألكسندر وارد، وسمر سعيد) عن “تحرك أمريكي قطري يجري بعيداً عن الأضواء، يهدف إلى توفير حوافز اقتصادية مباشرة لطهران لإعادتها إلى طاولة التفاوض”.
ووفق التقرير، تعمل واشنطن والدوحة على فتح “نافذة” تسمح لطهران باستعادة جزء من أموالها المجمدة في بنوك الخارج، والتي تتجاوز في مجملها حاجز المائة مليار دولار. إلا أن المبادرة “السرية” تركز على شريحة محددة تبلغ ستة مليارات دولار مودعة في بنوك قطرية، ستخصص حصراً “لشراء المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، ضمن نظام مالي مغلق تشرف عليه قطر وتراقبه وزارة الخزانة الأمريكية بصورة مباشرة”.
وبعيداً عن “البعد الإنساني” في هذه الخطوة، فإنها تحمل رسالة “سياسية” واضحة في مغزاها وفي توقيتها. فهي تمثل تقديم أول حافز “عملي” يرتبط مباشرة بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وتعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن الاتفاق لا يمكن أن يصمد عبر الضغوط وحدها، بل يحتاج إلى مكاسب ملموسة تشجع الإيرانيين على تحمل عثراته وتحدياته.
وتنقل ‘وول ستريت جورنال’ عن مسؤولين مطلعين (على الصفقة السرية) أن هذه المقاربة “تنسجم مع أولويات الرئيس ترمب في هذه المرحلة”. وعلى الرغم من إصرار البرتقالي على تكرار عبارات “النصر العسكري الكاسح” على إيران، يرى مراقبون أن سلوكه مؤخراً يوحي بأنه “أكثر حرصاً على إغلاق ملف الحرب سريعاً”.
فالإدارة الأمريكية تواجه تحديات داخلية متراكمة، ليس أهونها ارتفاع التضخم والجدل المتصاعد حول الإنفاق العسكري والسياسات الخارجية، وأكثرها إلحاحاً اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي يعلم ترمب (المتراجعة شعبيته في جميع الاستطلاعات) أنها ستشكل استفتاءً فارقاً على أدائه السياسي، مثلما يعلم حزبه الجمهوري -وبالأخص دائرة MAGA اليمينية التي ضربها الانقسام مؤخراً- أن نتائجها ستؤثّر مباشرةً على “حرية حركته” خلال العامين المتبقيين من ولاية ترمب، وبعدها على فرص المنافسة أمام الديمقراطيين في انتخابات 2028.