
قراءة في تصريحات الدكتور بشارة بحبح، وتحولات الموقف الأمريكي، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني …
لم تكن التصريحات التي أدلى بها الدكتور بشارة بحبح، الذي اضطلع بدور في الاتصالات غير المباشرة بين حركة حماس والإدارة الأمريكية، مجرد كشفٍ لبعض كواليس المفاوضات، بل شكلت محطة سياسية تستحق التوقف عندها. فقد أوضح أن قيادة حركة حماس أبدت استعدادًا للقبول بهدنة طويلة الأمد قد تمتد إلى عشر أو خمس عشرة سنة، مع ترتيبات تتعلق بمستقبل السلاح وإدارة قطاع غزة، كما كشف أنه خاطب قيادة الحركة بوضوح قائلًا: “إما أن تتمسكوا بالسلاح، وإما أن تنقذوا شعب غزة.”
إذا صحت هذه التصريحات، فإنها لا تمثل مجرد تطور في الموقف التفاوضي لحركة حماس، بل تثير سؤالًا وطنيًا بالغ الخطورة: إذا كانت قيادة الحركة مستعدة اليوم لبحث خيارات من هذا النوع، فلماذا لم تُطرح قبل أن تتحول غزة إلى واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخها الحديث؟ ولماذا لم يُقدَّم إنقاذ الشعب الفلسطيني على أي اعتبارات تنظيمية أو سلطوية؟
إن طرح هذا السؤال لا يهدف إلى تبرئة الاحتلال الإسرائيلي، فهو المسؤول الأول عن العدوان، وعن جرائم القتل والتجويع والتدمير والتهجير، وما ارتكبه من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. لكن هذه الحقيقة لا تعفي قيادة حركة حماس، التي انفردت باتخاذ قرار الحرب وإدارة مسارها السياسي والعسكري، من مسؤولية مراجعة خياراتها وقراراتها. فقرار بهذا الحجم لم يصدر عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يكن ثمرة توافق وطني شامل، بل جاء خارج إطار المرجعية الوطنية الجامعة، رغم أن قوى وشخصيات فلسطينية عديدة أكدت أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى قرارًا وطنيًا جماعيًا تتخذه المؤسسات الشرعية للشعب الفلسطيني.
وهنا تتضح الفوارق الجوهرية بين المشروعين السياسيين. فالموقف الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، يقوم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية. وهذا هو الهدف الوطني الذي توحدت حوله مؤسسات الشرعية الفلسطينية، وحظي باعتراف دولي واسع.
أما ما كشفه الدكتور بحبح عن استعداد قيادة حركة حماس للقبول بهدنة طويلة الأمد تقتصر عمليًا على قطاع غزة، مع ترتيبات لإدارة القطاع ومستقبل السلاح، فإنه يثير تساؤلات سياسية عميقة. فإذا كانت هذه الهدنة لا ترتبط بإنهاء الاحتلال، ولا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ولا تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإنها، في نظر منتقديها، لا تحقق الهدف الوطني الفلسطيني، بل قد تكرس واقعًا يقوم على إدارة قطاع غزة منفصلًا عن بقية الأرض الفلسطينية، وتُبقي الاحتلال جاثمًا على الضفة الغربية والقدس، بينما تتحول الهدنة إلى إطار لإدارة الأزمة بدل إنهائها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أصبح الهدف السياسي هو تثبيت سلطة محدودة في قطاع غزة تحت مظلة هدنة طويلة الأمد، أم أن الهدف ما زال هو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة؟ إن الهدنة، مهما طال أمدها، ليست مشروعًا وطنيًا، بل إجراءً مؤقتًا، أما المشروع الوطني الفلسطيني فهو الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
لقد أثبتت التجربة أن السياسة ليست ساحة لإثبات صحة المواقف، ولا اختبارًا للقدرة على الصمود الخطابي، وإنما هي فن حماية الشعوب وتحقيق مصالحها الوطنية. وعندما تتأخر السياسة حتى تصبح مجرد وسيلة لوقف نزيف كان يمكن الحد منه، فإن المراجعة تصبح واجبًا وطنيًا لا يجوز التهرب منه.
وفي المقابل، تكشف التطورات في الولايات المتحدة عن تحول استراتيجي لا يقل أهمية. فالتقارير الأخيرة، ومنها ما نشره موقع Axios، تشير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو بدأت تخسر تدريجيًا الإجماع السياسي الذي تمتعت به لعقود داخل الولايات المتحدة. فبعد تراجع التأييد داخل الحزب الديمقراطي، بدأت أصوات مؤثرة داخل الحزب الجمهوري أيضًا تنتقد سياسات نتنياهو، وتعتبر أن دعمه غير المشروط لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، وأن حرب غزة حولت إسرائيل من حليف استراتيجي إلى عبء سياسي وأخلاقي متزايد.
وهذه مفارقة تستحق التأمل؛ فإسرائيل، التي راهنت على القوة العسكرية المطلقة، خرجت من الحرب وهي تواجه عزلة دولية متنامية، وتراجعًا غير مسبوق في صورتها الأخلاقية، وتصدعات بدأت تمتد حتى إلى البيئة السياسية الأمريكية التي شكلت لعقود أهم مصادر قوتها.
غير أن هذه التحولات، على أهميتها، لا تعوض الفلسطينيين عن الكلفة الهائلة التي دفعوها. فالتحول في الرأي العام العالمي والأمريكي جاء بعد أن دفعت غزة ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها. ولذلك يبقى السؤال المشروع: لو كانت الخيارات التي يجري الحديث عنها اليوم مطروحة قبل الحرب، أو في مراحلها الأولى، أما كان بالإمكان تجنيب الشعب الفلسطيني جانبًا كبيرًا من هذه المأساة؟
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، أن وحدة القرار الوطني كانت دائمًا مصدر قوة، وأن الانفراد بالقرارات المصيرية كان مدخلًا للانقسام وإضعاف الموقف الفلسطيني. ومن هنا اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية مكانتها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، لأنها الإطار الوطني الجامع الذي يفترض أن تُتخذ في مؤسساته قرارات الحرب والسلم والمفاوضات، باعتبارها قرارات تخص شعبًا بأكمله، لا تنظيمًا بعينه. فحين ينفرد أي فصيل باتخاذ قرار يغيّر مصير الوطن، فإنه يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن نتائجه، ولا يجوز تحميل بقية القوى الوطنية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، تبعات قرار لم تشارك في صنعه، بل أعلنت في مناسبات عديدة رفضها للانفراد به، وتمسكت بأن يكون القرار الوطني صادرًا عن المؤسسات الشرعية الجامعة.
لقد كشفت هذه الحرب حقيقتين متلازمتين: الأولى أن الاحتلال الإسرائيلي بدأ يخسر جزءًا مهمًا من شرعيته السياسية والأخلاقية في العالم، والثانية أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن يُدار بمنطق الانفراد، ولا بتعدد المرجعيات، ولا بتغليب المصالح التنظيمية على المصلحة الوطنية العليا.
إن فلسطين اليوم ليست بحاجة إلى هدنة طويلة، ولا إلى حرب طويلة، بل إلى استراتيجية وطنية موحدة تستعيد وحدة القرار ووحدة التمثيل ووحدة الهدف، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وصولًا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ذلك هو المشروع الذي ينسجم مع الشرعية الدولية، ويحفظ وحدة الأرض والشعب، ويصون التضحيات الهائلة التي قدمها الفلسطينيون عبر عقود نضالهم، ويمنع أن تتحول المآسي إلى وقائع دائمة، أو أن يصبح المؤقت بديلًا عن الحق التاريخي الثابت في الحرية والاستقلال.
فلا دولة تُبنى بسلطتين، ولا قضية تنتصر ببرنامجين متناقضين، ولا شعب يستطيع أن يدفع ثمن الانقسام إلى الأبد. وسيبقى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو البوصلة التي ينبغي ألا يحيد عنها أي مشروع سياسي، لأن الهدن، مهما طالت، تبقى وسائل مؤقتة، أما الحرية والسيادة والاستقلال فهي الغاية التي ناضل من أجلها الشعب الفلسطيني، والتي ستظل معيار الحكم على السياسات والقيادات، أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة.