تقارير وتحقيقات

“الطابعة البشرية” التي صنعت “فقاعة” ترمب: خبايا العلاقة “الاستثنائية” بين ناتالي والرئيس

كتب:هاني الكنيسي
مرة أخرى أعود للكتاب الجديد المثير “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترمب” Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump، من تأليف صحافييْ ‘نيويورك تايمز’ البارزيْن ‘ماغي هابرمان’ و’جوناثان سوان’، والذي عرضت بإيجاز -في بوست سابق- بعض أهم “كشفياته” عن عقلية الرئيس البرتقالي وأمراض تفكيره “الإمبراطوري” التي تفسّر الكثير من جموح قراراته السياسية والعسكرية، فضلا عن ارتباطات عائلته المالية “المشبوهة”.
لكن هذا المنشور يتناول ركنا “مظلما” آخر في منظومة ترمب، سلّط عليه الضوء الكتاب نفسه الذي نال لقب الأكثر مبيعاً منذ طرحه في المكتبات الأمريكية الأسبوع الماضي. وبطلة القصة هي ‘ناتالي هارب’ Natalie J. Harp، المساعدة التنفيذية للرئيس الأمريكي، التي استحوذت على بؤرة الاهتمام الإعلامي والجدل السوشيالي بسبب ما أورده الكتاب عن خبايا علاقتها “الاستثنائية” بسيد البيت الأبيض وسطوة نفوذها في توجيه أفكاره ورسائله.
فالكتاب يقدّم ‘ناتالي’ ذات الـ 34 ربيعاً، كإحدى أكثر الشخصيات تأثيراً على ترمب، والتي يتجاوز دورها بكثير المهام التقليدية لمسمّاها الوظيفي، إلى حدّ أن بعض المسؤولين في البيت الأبيض ينظرون إليها كـ”حارس بوابة” يدير مزاج الرئيس اليومي ويتحكم في محيطه المعلوماتي.
وفقًا للمنشور في أحد الفصول، فإن المساعدة الجذابة تحيط الرئيس بما يشبه “فقاعة معلوماتية” مصنوعة بعناية، عبر تزويده بقصاصات من “الإشادات” الرقمية والأخبار الإيجابية والمنشورات التي ترفع معنوياته وتساعده على الاحتفاظ بمزاج سياسي واحد. ويسهب المؤلفان في توضيح كيف أن دورها في إدارة حساباته الرقمية على منصات السوشيال ميديا -خصوصاً المنشورات المتأخرة- جعلها جزءاً من “البنية الذهنية والإعلامية” التي تحكم ترمب يومياً.
وفي أحد أكثر مقاطع الكتاب إثارة في السردية، نماذج من رسائل شخصية للغاية، تركتها ‘ناتالي’ في أماكن خاصة بترمب، تفيض بعبارات المودة والولاء المطلق، من قبيل: “أنت البداية والنهاية”، و”أنت كل ما يهم لدي” You are all that matters to me. وهي العبارات التي يذكر الكتاب حرفيًا أنها “أذهلت” رئيسة موظفي البيت الأبيض ‘سوزي وايلز’ وبعض المقربين من الرئيس. والأدهى أن ترمب لم يبدُ منزعجاً بالمرة من هذا “التعلق الشخصي”، بل قال لموظفيه متباهياً بولائها إن ‘ناتالي هارب’ هي “الوحيدة التي تحبني بنفس القدر الذي تحبني به زوجتي وأولادي”، مضيفاً بسخرية: “جميعكم ستغادرون يوماً ما لتجنوا المال، أما هي فلن تتركني أبداً”.
وينقل المؤلفان أيضاً أن ترمب يفضل مناداتها دائماً باللفظ الفرنسي لاسمها “Nathalie”، على سبيل الدعابة أو الغزل، وهو تفصيل صغير في ظاهره، لكنه يضيف طبقة أخرى إلى الصورة التي يرسمها الكتاب لعلاقة أقرب إلى التداخل الشخصي العميق منها إلى العلاقة الوظيفية المعتادة.
وبينما تلاحق الشائعات وجودها الدائم إلى جانب الرئيس في أوقات متأخرة، لا توجد ـ كما يقر المعلقون ـ أدلة ملموسة على طبيعة تلك اللقاءات الليلية، فيما يلتزم البيت الأبيض الصمت المطبق بشأنها.
لكن الصمت لم يمنع اتساع رقعة الجدل، خصوصاً مع تواتر التقارير عن نفوذ ‘ناتالي’ المتزايد داخل دوائر القرار، وقدرتها على التأثير حتى في بعض البيانات الاقتصادية الرسمية وتوجيهها بما ينسجم مع رغبات ترمب. فخرجت المتحدثة الشقراء باسم البيت الأبيض ‘كارولين ليفيت’ مدافعةً عنها، ووصفتها بأنها واحدة من “أكثر المساعدين ولاءً واجتهاداً” في الفريق .. وكأن البيت الأبيض لا يرى في حضورها الاستثنائي أزمة بقدر ما يراه امتداداً لأسلوب الرئيس نفسه في إدارة الحكم عبر دوائر محكمة من الولاء الشخصي.
العلاقة بين ترمب و’ناتالي’ التي وُلدت في كاليفورنيا لعائلة مسيحية محافظة ومتدينة، وحصلت على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة ‘ليبرتي’ الإيفانجيليكية عام 2015، بدأت من طرف واحد، عندما تعرضت الخريجة -في العام ذاته- لمضاعفات صحية خطيرة بعد خطأ طبي أثناء علاجها من سرطان العظام. فتقول إن قانون “حق المحاولة” Right to Try الذي وقّعه ترمب في مستهل ولايته الأولى، منحها طوق نجاة بالوصول إلى أدوية “تجريبية” أنقذت حياتها، رغم أن بعض الخبراء شككوا لاحقاً في هذه الرواية.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت ‘ناتالي’ من مريضة تشكر الرئيس على شاشة ‘فوكس نيوز’ عام 2019 إلى صوت دعائي مجاني لأفكاره، مما لفت انتباه ترمب فدعاها لإلقاء كلمة في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري عام 2020. وعملت بعدها كمذيعة ومقدمة برامج في شبكة One America News اليمينية المتطرفة حتى عام 2022، قبل أن تترك الإعلام وتتفرغ تمامًا للعمل كمساعدة شخصية لترمب.
ومع انطلاق حملته الانتخابية عام 2024، لم تفارقه في التنقلات والاجتماعات وحتى أثناء لعب الغولف، حاملةً معها حقيبة فيها ‘لاب توب’ وطابعة لاسلكية متنقلة، لتطبع له فوراً الأخبار والمقالات والتغريدات الإيجابية. ومن هنا نالت ‘ناتالي هارب’ لقبها الأشهر داخل الحملة: “الطابعة البشرية” The Human Printer.
والحقيقة أن هذا اللقب -الذي ظل ملتصقًا بها إلى اليوم- يترجم بواقعية طبيعة العلاقة بينهما: حضور دائم، وحراسة يومية للمزاج السياسي، وإدارة شبه كاملة لتدفق المعلومات التي يريد قراءتها أو نشرها. وكانت المكافأة المتوقعة بعد عودته للبيت الأبيض، بأن عيّنها في يناير 2025 مساعدة تنفيذية للرئيس.
لكن الصفة الوظيفية -كما يكشف الكتاب- تتضاءل فعليًا أمام النفوذ الحقيقي للشابة الحسناء التي “تتحرك كظله في المكتب البيضوي وعلى متن الطائرة الرئاسية وحتى في عربة الغولف التي يتنقل بها بين ملاعبه”.
والأهم من كل ذلك، أن ‘ناتالي’ تملك وصولاً مباشراً إلى حساب ترمب الشخصي على منصته ‘تروث سوشيال’ Truth Social، ما سمح لها بصياغة ونشر بعض أكثر منشوراته إثارة للجدل، بما في ذلك صور عجيبة مصممة بالذكاء الاصطناعي ومقاطع ساخرة من خصومه، بفجاجة يُحسدان عليها.
ولذلك فإن أهمية ما يثيره كتاب “تغيير النظام” عن تلك العلاقة “الاستثنائية” ليست من قبيل “النميمة” الإعلامية عن موظفة أقرب من اللازم من الرئيس، بل كونه يفتح نافذة على دهاليز صناعة السلطة في البيت الأبيض، حين تكون عاطفة الولاء أساسًا للمنظومة السياسية، وحين تتحول “الطابعة البشرية “إلى “حارس بوابة” الأخبار والرسائل والمنشورات في “فقاعة” الرئيس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى