
لا تقترب منّي مطمئنًا؛ فالبحار لا تُعرَف من زرقة سطحها، بل من الأعماق التي تبتلع ما يجرؤ على اختبارها، وأنا لستُ امرأةً تُقرأ من ملامح وجهٍ أو عابرِ ابتسامة، بل حكايةٌ كُتبت بالحيرة، وسرٌّ كلَّّما ظننتَ أنك أدركتَه، ازداد منك بُعدًا.
في حضوري فتنةٌ لا تستأذن أحدًا، وفي صمتي ضجيجٌ يعجز الكلام عن بلوغه، لا أتعمَّد إغواء العيون، لكن الجمال إذا استوطن وجهًا لم يستأذن صاحبه، والكبرياء إذا سكن الرُّوح صار هيبةً لا ادعاء، فمن اعتاد البِرَك الرَّاكدة، لن يحتمل الوقوف أمام بحرٍ لا يعترف إلَّا بمن يُجيد الغرق فيه.
أنا موجةٌ إذا احتضنتك حملتك إلى سماءٍ لم تبلغها أحلامك، وإن لفظتك، أعادتك إلى نفسك غريبًا عنها.
لا أمنح أعماقي لمن يهوى السَّطح، ولا أفتح أبوابي لمن يخشى الحقيقة؛ فكل ما هو نفيس، لا يُنال إلَّا بعد عناء، وكل ما هو خالد، لا يليق به العابرون.
في داخلي مدائنٌ من الشَّغف، وعواصفُ من الدَّلال، وسكونٌ يسبق الزلازل، أُربك العقول قبل العيون، وأترك في الأرواح أثرًا لا يمحوه الزمن، لأن بعض الحضور لا يمر، بل يستقر كقَدَر.
فإن راودتك فكرة الاقتراب، فلا تُسرع الخطى نحوي، ولا تُكثر من الوعود، قف أولًا أمام نفسك، وجرّد قلبك من أوهامه، ثم اسأله السؤال الذي لا يجرؤ على الإجابة عنه إلا من عرف ثمن البحر: *إن كانت هي البحر، فهل أنا مستعدٌّ للغرق؟*
ولا يغرَّنك غطاءُ وجهي؛ فما هو إلا ستارٌ رحيم، يحجب عنك ما لو انكشف كله، لما عرفتَ إلى النجاة سبيلًا، إنَّه ليس غطاءً لوجهٍ جميل، بل قيدٌ على سحرٍ لو أُطلق، لأغرق القلوب قبل الأبصار، ولأصبح الرُّجوع منِّي أمنيةً لا تتحقَّق.
أنا البحر… أتودُّ الغرق؟
