كتاب وشعراء

قراءة نقدية في قصيدة شعرية بعنوان: رحلة طاغوت للشاعر: محمد السوادي.. بقلم الأديب الناقد: ماجد القيسي

رحلة طاغوت..
بقلم: محمد السوادي

تُوقّدِي نِيرَان هجْرِي
وَلَدِي فِي مَهْدِهِ يُنَادِي
لَا يَقْبَلُ اَلضَّيْم
مُصْفَدٌ أنا
بَيْنَ أَطْبَاقِك اُسْتُغِيث
أَصْنَامٌ تَسْجُدُ لِلنَّارِ
تُعَبِّدُ اَلْخَوْفَ اِبْتِهَالاً
تَسْتَنْشِقُ بَارُودَ اَلذُّلّ
أَجْسَادٌ تَتَعَفَّنُ
تُغْسِل بِقَطْرَانٍ دَرنَهَا اَلْمُعَلِّق
فِي اَلْحَافِلَةِ
وَعُيُونٌ تُرَاقِب
لَكِنَّهَا لَا تَرَى
هَزَّ مَهْدُكَ بِيَدِكَ
فَأمّكَ لَيْسَتْ هُنَا
غَيْمَةً بِحَجْمِ اَلْأَرْضِ
تُمْطِرُكَ اَلْأَلَمَ
مُسَافِرَ بِجَنْبِهِمْ
بَعِيد بِقُرْبِهِمْ
تَطْوِي رِحْلَةَ اَلطَّاغُوتِ دَفَاتَرَا
مِنْ صَرْخَةِ حَقٍّ

قراءة الأديب الناقد: ماجد القيسي

حين قرأتُ نص محمد السوادي “رحلة طاغوت”، لم أجد أمامي قصيدةً بالمعنى الكلاسيكي، بل وجدتُ “ورقةَ استغاثةٍ” مُجعدة، كتبت في ظروفٍ لا تسمح بالترتيب، بل تسمح فقط بالصرخات.
​هناك شيءٌ ما في النص يجعلك تشعر بالضيق في صدرك؛ ليس فقط بسبب المفردات الثقيلة كـ “القطران” و”البارود”، بل بسبب تلك الرحلة التي لا نعرف وجهتها، والتي يسميها الشاعر “رحلة الطاغوت”. نحن جميعاً نعرف هذا النوع من الرحلات، تلك التي نكون فيها جالسين في مقاعدنا، صامتين، ننظر إلى الطريق عبر نافذة الحافلة، بينما أرواحنا في مكانٍ آخر تماماً، بعيدين عن أولئك الجالسين بجانبنا، غرباء حتى عن أنفسنا.
​يقول الشاعر: “عيون تراقب، لكنها لا ترى”. أليس هذا حالنا؟ أن نكون شهوداً على الخراب، نرى وجوه الناس تذبل، والأجساد تتعفن تحت وطأة الخوف، ثم نمضي في يومنا وكأن شيئاً لم يكن. السوادي هنا لا يتحدث عن طاغوتٍ بكرسي وسلطة فحسب، بل عن “الخوف” الذي تحول إلى صنمٍ نسجد له كل صباح.
​أكثر ما توقفت عنده هو صورة “المهد” المهزوز باليد، وغياب الأم. هذا التضاد بين براءة الطفل وقسوة العالم الخارجي يمزق القلب. الشاعر هنا يضعنا أمام الحقيقة العارية؛ فالمستقبل الذي نحاول حمايته بتهدئة مهده، هو نفسه الذي ينتظره “غيمة ألم” تحجب عنه ضوء الشمس.
​اللغة في النص ليست لغة تقارير أدبية، هي لغة “لحم ودم”. استخدام الأفعال المضارعة جعل القصيدة تبدو كأنها تحدث الآن، في هذه اللحظة، على متن حافلة تمر من أمامك في الشارع. لا يوجد هنا ذلك الترف اللغوي الزائد، بل هناك “الارتجال” الصادق لمن ضاقت به السبل.
​تأملتُ كثيراً في تلك المفارقة المؤلمة: “مسافر بجنبهم، بعيد بقربهم”. كم مرة شعرنا بهذا الانفصام؟ أن تكون محاطاً بالبشر، بجسدك المتعب، بينما عقلك في منفاك الخاص، تتأمل “الصرخة” التي لم يجرؤ أحد على إطلاقها.
​النص ينتهي بـ “صرخة حق”. هل تكفي الصرخة لمواجهة طاغوت؟ ربما لا، لكنها على الأقل تؤكد أننا ما زلنا على قيد الحياة، وأن الروح لم تتلوث بعد بـ “القطران” الذي يلوث الطرقات.
​أشعر أن هذه الكلمات تحتاج لأن تُقرأ في غرفٍ مظلمة، بصوتٍ خافت، لأنها ببساطة ليست للغناء، بل هي اعترافٌ بالهزيمة المؤقتة، وبحثٌ عن خيطِ أملٍ في ركام الأيام.
​هل نكتبُ الشعر لنغير العالم، أم لنحتملَ ضغط هذا العالم فوق صدورنا؟ لا أملك إجابة، لكني أعرف أن نص السوادي أصاب شيئاً في داخلي، شيئاً كنتُ أحاول تجاهله طوال اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى