
عام 2030. في ذلك البلد النائي عند مرافئ خليج عدن، لم يعد هناك “دولة” بالمعنى المتعارف عليه. لقد انقرضت النخبة السياسية؛ الرئيس، الوزراء، أعضاء البرلمان، والقضاة.. كلهم ابتلعهم وباءٌ مجهول، تاركاً خلفه فراغاً لم تملأه القوانين، بل ملأته غرائز البشر.
كان الشعب قد تحرر من قيود التاريخ، لكنه تحرر نحو العدم. احترقت السفارات، وتلاشت الحدود، وانخرطت الأجهزة الأمنية في حفلات السلب والنهب، حتى بات القاتلُ هو نفسه القتيل. ومن بين ركام السجون المحطمة، خرج “الحارس”، ذلك الرجل الذي دخل الزنزانة في الثامنة عشرة من عمره بتهمة التنبؤ بـ “أبوكاليبس السلام”، ليخرج في الأربعينيات من عمره، وسط عالمٍ حقق نبوءته.
لم يكن “الحارس” يطمح للعدالة بقدر ما كان يطمح لفرض نظامٍ يرتكز على إرادته المنفردة. نصب نفسه زعيماً على الخراب، وأسس حكومة من الأشباح والمهمشين. كانت الأيام تمضي ثقيلة، يغلفها صمتٌ جنائزي لا يقطعه إلا هدير البحر وأزيز الرصاص المتقطع في الأزقة البعيدة.
في إحدى الليالي، حين كان “الحارس” يقف في قصر الرئاسة المهجور، يراقب الأفق الذي تلتهمه النيران، عاد أحد الصيادين من رحلته المظلمة. لم يكن في شبكته سمكٌ يُطعم الجياع، بل كان يجرُّ جسداً بشرياً ملقىً بين الخيوط الممزقة. كانت شابة، عارية، غارقة في صمتها، كأنها “أيقونة” قذفتها الأمواج من زمنٍ آخر، أو ربما من أملٍ كان الجميع يظن أنه غرق إلى الأبد.
في تلك الليلة، كان “الحارس” يجلس في قصر الرئاسة الذي تحول إلى ثكنة للظلال. كان قد نجح في تجميع بقايا الحرس القديم والبلطجية، فارضاً نظاماً يقوم على “قدسية الخوف”، محاولاً هندسة استقرارٍ مشيد على جثث الماضي.
دلف الصياد إلى القاعة، يجر وراءه شبكته التي لم تعد تحمل سمكاً، بل ذلك الجسد الغامض. كانت الشابة التي ألقاها البحر تبدو وكأنها خارجة من زمنٍ سابق لهذا الخراب، بشرتها شاحبة، وعيناها تحملان نظرة مذهولة، وكأنها لم تدرك بعد أن العالم قد انتهى.
نهض “الحارس” ببطء، اقترب منها، وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنين الرياح في الخارج. سألها بصوت أجش:
— “من أنتِ؟ وكيف يلفظ البحرُ الحياة في أرضٍ لا تعرف إلا الموت؟”
نظرت إليه، لم تكن خائفة، بل كانت تنظر إليه كأنها تقرأ في وجهه خرائط الجنون التي رسمها طوال سنوات سجنه. أجابت بصوت هادئ ومخيف:
— “أنا لستُ من البحر يا سيدي. أنا ابنةُ الصمت الذي خلفه غيابهم. لقد كنتُ في قبوٍ تحت الأرض، في منشأةٍ سرية لم تطلها الأوبئة، حيث كان علماؤهم يجرون تجاربهم الأخيرة قبل فوات الأوان. لقد فتحتُ البوابة حين رأيتُ النور ينطفئ من الفتحات، وجرفني المدُّ إليكم.”
تراجع “الحارس” خطوة إلى الوراء. لم تكن مجرد ناجية؛ كانت تحمل في عينيها سر “الوباء”. في تلك اللحظة، أدرك أنها ليست بشراً عادياً، بل كانت “المريض الصفر” أو ربما “الترياق المفقود”.
التفت إلى رجاله الذين كانوا يتربصون، ثم قال بمرارة:
— “لقد بنيتُ دولةً على حافة الهاوية، وكنتُ أظن أنني أصلحُ الكون، بينما كنتُ فقط أرتبُ مقاعد القتلة في مسرحيةٍ انتهت فصولها.”
في تلك الليلة، لم يقم “الحارس” بإعدامها. بل أخذها إلى شرفة القصر المطلة على المدينة التي تحترق. رأى الفوضى تأكل نفسها، ورأى نيران السفارات تضيء الأفق كأنها شموع في جنازة أمة. التفت إليها وقال:
— “هل هناك بقية؟ هل هناك أملٌ في أرضٍ أخرى؟”
ابتسمت بمرارة وقالت:
— “الأرض التي تعرفها قد ماتت. وما تراه الآن ليس إلا طقوس احتضار. الخلاص ليس في الحكم، بل في النسيان.”
في صباح اليوم التالي، وجد الحراس القصر خالياً. اختفى “الحارس” واختفت الفتاة. لم يبقَ في القصر سوى السجلات التي كان يكتب فيها قوانينه السريالية. ويقول الرواة الذين نجوا من تلك الحقبة، إنهم رأوا قارباً صغيراً يتجه نحو قلب المحيط، حيث لا حدود، ولا رؤساء، ولا أوبئة، فقط أفقٌ مفتوح للمجهول.
وهكذا، سقطت دولة “الحارس” قبل أن تولد، وعاد “البلد” إلى صمت الرمال، كأن التاريخ لم يمر من هنا أبداً، وكأن كل تلك الدماء لم تكن سوى حبرٍ سكبته يدٌ مرتجفة على صفحةٍ منسية.